تبقى في ذاكرة الفنان مساحة من الخيال لا تبرحها أبداً مهما يمتد العمر، ينسج معها المبدع حكاياته وانطلاقه الوجداني في عالم الإبداع الرحب الذي يسكنه ولا يغادره حتى عندما ترتاح الروح وتصعد إلى السماء. إنه التدفق البصري والإبداعي الذي يتركه، إرثه الذي يدوّنه كاتب التاريخ بأحرف من نور ومداد من الذهب الخالص.
يسترجع معنا الفنان حلمي التوني رحلته مع أسرته القادمة من أعماق الصعيد المصري، حافِظ الحضارات الإنسانية والتشكيلية على حيطان المعابد وذاكرة البشر. يبدأ صوت الصغير يعلو بصراخ الميلاد في 30 من أبريل سنة 1934. يفرح الأب الفلاح المسكون بخمرة وادي النيل، تحمل ملامحه تاريخ وطن تمتد جذوره إلى آلاف السنين. وسط الأولاد يرتكن الصغير حلمي ليمسك بأقلام الرصاص ويرسم بقرة تسير إلى جوار البيت، يراقبه الأب من بعيد حتى ينتهي. يمسك بلوحة الصغير مسرعاً إلى دوّار الأخ الأكبر "رسمة ابني حلمي.. إنها أجمل من أي بقرة في البلد".
يتعلق الصغير بحلم الاستمرار الذي اختاره القدر، تتحول "الشخبطة" على جدران المنازل إلى لوحات يحتفظ بها الصغير لوقت لا يعلمه، ولكنه مدرك أنه مقبل على تجربة قد تغير مصيره الإنساني. بعد وفاة الوالد يتحمل حلمي الطالب في الثانوية مسؤولية الأسرة بالكامل، ولكنه لم ينسَ الرسم ورضا الأم الذي يعتبره التوني مفتاح الحياة. يجلس يومياً يراقب كل المفردات الشعبية المحيطة بعالمه البسيط الذي يسكنه هنا. يرسم الرسام الفطري على جدارن البيت رسوماً شعبية ترحب بالقادم من الحج؛ تعانقها رسوم قبطية وأيقونات خاصة.. ملابس البشر تختلط بأصوات الباعة، الرموز الشعبية داخل الموالد مع صانع الوشم وتواشيح الذِكر، وهناك على الجانب الآخر حضارة فرعونية إنسانية بمفرداتها ورموزها الخاصة.. عالم من الثراء في الملابس والنقوش والرسوم التي تصور الحياة والناس والحكايات. أدرك مبكراً عمق الهوية المصرية التي لا تحتاج إلى التعلق بالتغريب أو الالتصاق بعوالم أخرى.

معركة كلية الفنون
بدأت معارك التوني مع الحياة عندما حاول إقناع الأسرة بأن يلتحق بكلية الفنون الجميلة. كان الكل يريد أن يدخل كليةً "تؤكّله عيش". كان عليه أن يغير من صورة الإدراك الأولي للفنان؛ كيف يكتسب قوت يومه؟ وبعد محاولات شاقة حمل أوراقه وألوانه، تسبقه أحلامه، ليدخل من باب الفنون الجميلة (ديكور مسرحي سنة 1958). تعلق بعالم الزخرفة والديكور، يعيد تشكيل ما حفظ في ذاكرته البصرية بخطوط خاصة، مهمومة بالتأكيد على الهوية المصرية بعيداً عن محاولات البعض التقرب إلى مدارس فنية بعيدة عن الذوق المصري والعربي.
كان إيمانه أن التقرب إلى عالمك الخاص هو طريقك إلى العالم الأوسع؛ حيث لا تحتاج إلى البحث عن الآخر لتقلده وأنت صاحب إرث يتعلمه الآخرون.
التقى هناك معلمه الأول الأستاذ عبد العزيز درويش، الذي اعتبره معلماً عظيماً ترك فيه الأثر الإيجابي وهو يخطو الخطوات الأولى نحو العالم الحالم في دنيا الإبداع والفن.
لم ينسَ قط موقف الأسرة من ضرورة البحث عن "لقمة العيش"، فكانت رحلته إلى عالم الصحافة وهو لا يزال طالباً بالكلية.
"السندباد" مجلة مصرية أسبوعية للأطفال، كانت تصدر كل يوم خميس، صدر أول عدد منها في 3 من يناير سنة 1952، وتعتبر أول مجلة أطفال عربية. قام على تأسيسها ورئاسة تحريرها الأديب محمد سعيد العريان، وصدر العدد الأخير منها في يوليو سنة 1960.
اعتمدت المجلة على رسوم الفنان بيكار، الرائد الأول لرسوم الأطفال، في ابتكار الشخصيات، وتحملت ريشته رسوم الأعداد الأولى بالكامل من المجلة، وكانت رسومه مدرسة خاصة، وكانت هناك بعض الريشات التي لم تكثف أعمالها في المجلة كما فعل بيكار، فظهرت ريشة كل من زهدي وكمال الملاخ.
كان بيكار في حاجة إلى ريشات مختلفة تخرج عن حيز التشكيل الكلاسيكي الملتزم، الذي كان يخرج أحياناً إلى حيز الكرتون ولكن على استحياء، وبعد فترة قدم للساحة الفنية العديد من رسامي كتب الأطفال بتجاربهم الخاصة، فاختار طلاب كلية الفنون بفطرتهم الفنية ( بهجوري – اللباد – إيهاب شاكر- حلمي التوني )، وإن كان بعضهم جنح إلى رسم الكاريكاتير أو الفن التشكيلي، ولكنهم جميعًا اشتركوا في حبهم لفن صناعة الكتاب والرسم.. هناك كانت بداية ريشة التوني التي رأت أن التأكيد على الهوية المصرية باستخدام مفردات الحضارة المصرية في إعادة تشكيل الواقع البصري بخطوط بسيطة هي المدخل الأول إلى عالم الطفل، وهذه كانت قضية التوني الذي ظل حارساً لها حتى عندما دخل إلى عالم التشكيل الصاخب.
هي أقدم مؤسسة ثقافية صحافية مصرية، تأسست على يد جورجي زيدان، الأديب والصحفي اللبناني وهو روائي ومؤرخ، واستقر في القاهرة واشتغل بالتدريس فترة، واشترك مع نجيب متري في إنشاء مطبعة، إلا أن الشراكة بينهما انفضت بعد عام، واحتفظ جورجي زيدان بالمطبعة وأسماها "مطبعة الهلال"، بينما أنشأ نجيب متري مطبعة مستقلة أسماها "مطبعة المعارف".
أصدرت دار الهلال عدداً كبيراً من المجلات التي كانت مساحة لاستيعاب القادم بأفكاره وأحلامه الأدبية والفنية، وكانت تملك عقلية تساعد المبدع على الابتكار والتجريب. قام بالإشراف على الجانب الفني بالمؤسسة أسعد مظهر، المدرس بكلية الفنون الجميلة، الذي أراد تجديد شباب الإصدارات، فاختار خمسة من طلاب الكلية، وهم إيهاب شاكر، وناجي شاكر، ومصطفى حسين وحاكم وحلمي التوني، لتبدأ رحلة "الناسك في محرابه" حارساً لمنجم التراث السحري.
اختار التوني الخطوط البسيطة، مع الحفاظ على الهوية المصرية والتراث في تشابك فني رائع، وتصدرت رسومه غلاف مجلة "سمير" إضافةً إلى الرسوم الداخلية، بخطوط خاصة تدركها العين، بعيدة عن التقليد والشوشرة على الطفل المتلقي. جنحت ريشة التوني إلى الزخرفة التشكيلية بمفردات نراها في وجداننا الجمعي، ولكنه صاغها في تكوينات خاصة تزين صفحات مجلات الأطفال، وتطير لتعانق أغلفة الكتب (كانت الرواية الأولى التي رسمها هي "زقاق المدق" لنجيب محفوظ)، حيث أعاد قراءة الرواية عدة مرات، وفي كل مرة كان يتلمس مفردات الحارة المصرية، فكانت لوحاته التشكيلية نصاً موازياً للنص الأصلي.

عالم الأطفال الرحب
إنه العالم الذي تسكنه البراءة والوعي الفطري البسيط، ويعاد تشكيله ليظل عالقاً عبر رحلة الحياة. وعندما يحاول الفنان الدخول إلى مساحة البراءة لا بد من أن يختار الصعب الجميل. إنها المتعة الخاصة التي تعشقها ريشة الفنان الحقيقي.. هنا كانت الانطلاقة للمبدع التوني، الذي لم يكتفِ بما حققه في عالم الرسم والإخراج الفني وتصميم الأفيشات وتصميم العرائس للمسرح، ولا بمكانته التشكيلية الكبيرة ولوحاته التي تزين المتاحف والمعارض، ولم يرضِ طموحه ولا حلمه الدائم إلا أن يصنع كتاباً مختلفاً للطفل العربي والمصري، بخطوط تؤكد ثقافتنا وحضارتنا وهويتنا الأصيلة في تماس مع المفردات الشعبية، فكانت مغامرة خاصة استقبلها الطفل بترحاب، وتعانقت كتبه أعلى أرفف المكتبات، وحصدت أهم الجوائز العالمية والعربية.

الفنان الذي يرسم للطفل يجب أن يفكر بالصورة، وأن يعايش خيال الطفل. وقد يلجأ الرسام إلى كتابة النص ويفوز كثير من الكتب التي يكتبها ويرسمها لأنه يضع عادةً الكلمة في خدمة الصورة. والفنان هو الذي يستطيع معايشة خيال الطفل، ويعبّر عنه بخطوط بسيطة مرحة مريحة، حتى لو كانت الشخوص غير محببة إليه.
وقد أقيم في مدينة "نيس" بفرنسا مؤتمر عالمي لكتاب الطفل، ناقش قضية فكرية خطيرة؛ هي مرض عصري يصيب أطفال العالم، حيث وقف ناشر كتب الأطفال الشهير "فرانسوا فيدال" أمام 90 ألف زائر وبحضور 2000 ناشر و125 صحفيًا قائلاً: إن أطفال اليوم هم رجال المستقبل، وتشكيل خيالهم وتربية أذواقهم معناها التأثير في الجيل القادم كله.
وأضاف فيدال: لقد رجعت إلى الأطفال أسألهم عما يريدونه، ولم أكن أتصور أن أطفال اليوم بهذا الذكاء، لقد ضاقوا بسذاجة الكتب التي نطلق عليها "كتب الأطفال"، واجتمعت بمجموعة منهم، وخرجت في النهاية بنتيجة واحدة؛ هي أن معظم الأطفال قالوا لي "نحن لا نريد أن تحددوا لنا خيالنا".
هنا نجد أنفسنا أمام تأكيد صدق المشروع الثقافي الذي بدأه التوني من قبل أن يولد ذلك الناشر الفرنسي.. التوني الذي عندما يصنع كتاباً بسيطاً للتلوين يختار الأبواب والحواري الشعبية والمباني، ولا يقدم كتاباً للتسلية، بل يقدم مشروعاً يحرك وجدان الطفل تجاه حاضره، ولكنه الحاضر الذي صنعه الماضي الجميل.

أجمل الحكايات الشعبية
كتاب للكاتب يعقوب الشاروني، ورسومه لحلمي التوني، وحاصل على جائزة بولونيا إبريل 2002، تبدأ حكاياته الشعبية بحكاية "جميل وجميلة" وتنتهي بحكاية "الأمير الجبان"، جاء النص في الكتاب بأسلوب أدبي مشوق، ويمتزج الخيال في الحكاية بالكلمات التي تحتاج إلى براعة خاصة للتعبير عنها، وقد استخدم التوني الفن الشعبي في لوحات خاصة يمتزج فيها الخيال بالأسطورة الشعبية، واستخدم الخط السميك في التعبير بمساحات لونية تغطي العمل الفني، والزخرفات الشعبية التي تعبر عن كل قصة.

في قصة "جميل وجميلة" يصور الشاروني صراع البطلة مع الغول في حوار يمتزج فيه الخيال الشعبي، إذ صوّر الغول مستيقظًا طيلة شهر، ثم ينام طوال الشهر الذي يليه وهو يختفي في شكل أمير والحصان الأسود وجريد النخل، وكلها أشكال تثري خيال الرسام للتعبير عنها وتحتاج إلي حرفية خاصة في التناول، وعندما صور التوني تلك الأحداث لجأ إلى التصوير الشعبي الأقرب إلي الفن الفطري القديم، فتجلت براعة التوني وخياله الخصب، حيث لم يكتفِ بمجرد النقل الحرفي للعمل، بل أضفى عليه مفرداته الخاصة المبهجة.

جولات في لبنان
أدرك التوني أن هناك دائماً مساحة تتسع للتجريب وتقبل الشطحات الفنية، فاختار السفر إلى لبنان في سبيعنيات القرن الماضي، البلد الخصب الغني بإبداعاته وفنه.. هناك كانت له جولات في تصميم الصحف وصناعة الكتب كانت بمثابة مدرسة تخرجت فيها أجيال.. تأمل معي مفرداته في غلاف "العودة تبدأ منك" حيث اختار طفلاً وطفلة يحمل كل منهما مفتاح العودة بأجنحة الحرية التي تحلق فوق الوطن بعلم فلسطين، ولم ينسَ أن يرسم البيت داخل الشجرة بخطوط بسيطة معبرة تاركاً للون مساحة تكمل الخيال.
وعندما عاد إلى مصر شهدت صومعته الخاصة اختياره اللوحات التشكيلية ليصنع عبرها عالماً آخر من الإبداع، تتعانق فيه مفرداته الشعبية مع الأساطير الشعبية وحكايات الجدات، إلى أن سكنت الريشة، وجفّ مداد القلم في 7 من سبتمبر سنة 2024، لكن تبقى أعماله نبراساً لجيل يعشق حاضره ويتمسك بماضية الأروع.