
ساحر بنمونة.. رجل
اعتمد الكاتب المغربي الحسن بنمونة في قصته "السَّاحِرُ يَضَعُ فِيلاً فِي رَاحَةِ يَدِهِ) على ساحر لطيف يتحدث إلى الأطفال ويسألهم عما يريدون مشاهدته؛ كي يجعلهم يشعرون بالمزيد من السرور. وهو الرجل الوحيد الذي يمارس السحر في القصص المختارة، فالقصص المتبقية تعتمد على الساحرات، ربما لأن الموروث الشعبي ربط بين المرأة والسحر والشعوذة منذ عصور قديمة.
يقدم الكاتب في البداية الساحر بصورته الجديدة؛ فهو يقف على خشبة المسرح ويقدم عرضه للأطفال الذين يشعرون بالدهشة أمام حيله الغريبة! فقد أخرج من قبعته حمامة، ومن حذائه عصفورين، ومن جيب سرواله قطعة حلوى، لكن الحلوى التي يصنعها السحرة لا تؤكل رغم منظرها الشهي! وهذه إشارة خفية من الكاتب إلى أن السحر مجرد خيال عابر يجب عدم التعويل عليه. ويكرر الكاتب الإشارة نفسها عندما يُخرج الساحر الحيوانات، فرغم أن بعضها مفترس لكنها غير مؤذية، أي مجرد خيال في لعبة. ولا يكتفي الساحر بعروضه على الأرض، بل يأخذ الأطفال في رحلة إلى السماء بين النجوم حيث تصبح المغامرات أكثر تشويقا.
أبدع بنمونة في كتابة قصة ممتعة تدع خيال الطفل يذهب إلى آفاق غير محدودة في رحلة غريبة يختلط فيها الواقع بالحلم؛ فالقصة تجعل الأطفال يرون العالم بطريقة مختلفة لا غير. وهذه إحدى مهام قصة الطفل، فيجب أن لا يكون كل ما يُكتب للأطفال قصصاً واقعية مفرطة في الجد والنصح.

سيرا.. الساحرة اللطيفة
رسم الكاتب المصري السيد إبراهيم في قصته "سيرا أميرة الزهور" الساحرة اللطيفة سيرا، التي تحب الزهور وتطير حولها وبيدها عصاها السحرية. ونجد أن كل الساحرات في القصص المختارة لديهن عصا تمكّنهن من ممارسة السحر!
أرادت هذه الساحرة إنقاذ الزهور من الذين يقطفونهن، فسألتهن عما يجب أن تفعله لأجلهن، فطلبن منها أقداماً تمكنهن من الهروب في الوقت المناسب. لكن النحل لم يعد يجد الزهور مكانها لأخذ الرحيق؛ لأنهن يذهبن للعب إلى مكان مختلف كل مرة. فاستبدلت الساحرة الأجنحة بالأقدام. لكن الفراشات اعترضن؛ فهذه المرة تسببت الزهور في فوضى، لأنها لا تجيد الطيران بمهارة، ولذلك لم تعد الفراشات قادرة على الطيران من دون أن تخشى ما يصدمها ويوقعها أرضاً، وأصبح الحل المناسب هو استبدال الأشواك بالأجنحة لتحمي الزهور أنفسها من أيدي العابثين.
نجح الكاتب في نصح الأطفال بطريقة غير مباشرة بعدم قطف الزهور، وفي الوقت نفسه بيّن فائدة الأشواك الحادة للأزهار الرقيقة، ولكن بطريقة غير علمية؛ فقصة الطفل قد تعتمد على الخيال بالدرجة الأولى، وهي ليست درساً من المنهج التعليمي على أي حال، بل الغاية منها إطلاق خيال الطفل، وإمتاعه عن طريق القراءة، وجعله يفكر في النظر إلى الموضوع نفسه من زوايا عدة.

"ذو الأذرع الطويلة" السحر والشر
القاص الأردني أيهم جابر والقاصة العراقية وجدان العباس قدّما في قصة "ذو الأذرع الطويلة" صورة الساحرة الشريرة التي تريد أذية البشر من دون سبب واضح، وبذلك ربطا السحر بالشر كطبيعة ثابتة، على العكس من القصتين السابقتين، اللتين جعلتا من يمارس السحر طيباً يحب الأولاد والزهور.
وجدت الساحرة الطفل "نسيم" يعيش وحيداً في كوخ منعزل، فأهل القرية نبذوه لأنه ضعيف الجسم، والبثور تملأ وجهه. فتظنه الساحرة يكره الناس ويحقد عليهم، فتمنحه ميزة الأذرع الطويلة التي يستطيع بواسطتها أخذ أي شيء من أي مكان، وهذا ما فعله نسيم، لكن عندما سمع أهل القرية يدعون بالهلاك على اللص الذي يسرق منازلهم شعر بتأنيب الضمير، فأعاد ما أخذه. لكنه استفاد من أذرعه الطويلة بطريقة أخرى، وأخذ يساعد الناس، فأصلح السقف لامرأة عجوز، وقطف ثمار النخيل لأيتام صغار، ورفع الأحجار لبناء عالٍ. وهنا حدث تحول كبير في مجرى القصة، فأهل القرية أحبوا الولد الطيب الذي يبادر إلى مساعدتهم. وعندما عادت الساحرة الشريرة لم تجد الفساد انتشر في القرية كما ظنت، فالطفل نسيم طيب السريرة، ولم يجنح إلى الانتقام، وهذا ما أغضبها، فسلبته ميزة الأذرع الطويلة.
وفي المقابل لم يترك أهل القرية نسيم يعود إلى العيش وحيدا - كسابق عهده - بعدما اكتشفوا طيبته، ودعوه إلى أن يعيش بينهم في القرية.
المميز في هذه القصة أن المؤلفين لم يشيرا إلى أن نسيم أصبح جميلاً كي يتقبله أهل القرية، بل جعلهم يتقبلونه على شكله لأنه ولد متسامح ومتعاون، وبذلك قدّم الكاتبان مقولة في غاية الأهمية، إضافة إلى مقولة أخرى؛ وهي أن قيمة الإنسان تأتي من أخلاقه وليس من شكله. وقد لا يفطن القارئ الصغير إلى القيمة الفكرية العميقة في هذه القصة، لكنه سيتأثر بها بالتأكيد، وهذا ما سيؤثر في سلوكه إيجاباً، وهذه أهم ميزات القصة الناجحة التي تحمل رسالة سامية بأسلوب لطيف غير مباشر.

ساحرتان في "حكاية خير البلاد"
اختلفت قصة الكاتب المصري أحمد طوسون "حكاية خير البلاد" في حجمها الكبير- مقارنةً بالقصص السابقة - وأيضاً في تعدد الشخصيات الرئيسية، وتنوع أحداثها. والسبب الأساس أنها تتوجه إلى فئة عمرية أكبر نسبياً من القصص السابقة.
في هذه القصة ساحرتان، وليس ساحرة واحدة كالقصص الأخرى. ورغم أن دور السحر محدود في أحداثها، فإن الفعل الحقيقي يصنعه أبطال القصة الطيبون، الذين يتعاونون معاً لتحقيق أهدافهم السامية بعيداً عن القوى الخفية.
في القصة نجد "فيروز" الساحرة الطيبة الجميلة في مقتبل العمر، وهي تحب الناس وتساعدهم، وتهدي الأطفال ألعاباً مسلية. أما الساحرة العجوز البشعة "نيروز" فتصنع المكائد، وقد نجحت أخيراً في سرقة المفاتيح والعصا السحرية من فيروز حارسة باب الجزيرة، وبذلك سيطرت على الجزيرة، وأخذت تنهب ثرواتها. لكن الساحرة الطيبة تعاونت مع أهل الجزيرة لتحريرها من الأشرار من دون الاعتماد على السحر، ولم ينفع ساحر الأشرار في التغلب على أصحاب القلوب الطيبة.
اعتمد طوسون على المزج بين قصة الأطفال والأحداث الحقيقية التي جرت في مصر لطرد المستعمر عن أراضيها، وبذلك عزز قيماً وطنية تناسب مفاهيم الأطفال، ولكنه رغم ذلك جنح أحياناً إلى المباشرة. ويبدو أن الكاتب يفضل الاشتغال على الفكرة والموعظة أكثر من اعتماده الأسلوب والخيال، وهذا نهج الكثير من أدباء قصص الأطفال الذين يغلّبون المضمون على الشكل، وهذا له محاذيره في قصص الأطفال الذين قد لا يميلون إلى هذا النوع من القصص.
الإشكال مازال مستمراً
من هنا نكتشف أن حضور السحر في قصة الطفل لا يزال أمراً إشكالياً حتى يومنا هذا، سواء عاد السبب إلى التوجه التربوي، أو الديني. ورغم ذلك تصدى لهذا الموضوع مجموعة من الأدباء الذين وجدوا دور نشر تتبنى وجهة نظرهم، لهذا ما زلنا نرى السحرة - على قلتهم- في قصص الأطفال. لكن لا بد من القول: يستطيع الكاتب معالجة موضوع السحر بطريقة مناسبة لعمر الطفل ومداركه بأسلوب لا يعتمد المتعة فحسب، بل الفائدة أيضاً.