الذكاء العاطفي.. سلاحك لصناعة "رجل المستقبل"

علّم ابنك مهارة اتخاذ القرار
الذكاء العاطفي.. سلاحك لصناعة "رجل المستقبل"



الملخص:

يركّز هذا المقال على أهمية الذكاء العاطفي بوصفه حجر الأساس في تعليم الطفل مهارة اتخاذ القرار منذ سنواته الأولى. ويوضح أن الطفل الذي يتعلّم الاختيار، وتحمل نتائج قراراته، وفهم مشاعره ومشاعر الآخرين، ينمو بشخصية أكثر استقلالًا وثقةً وقدرةً على مواجهة تحديات الحياة. كما يبيّن المقال أن الأسرة هي البيئة الأولى التي تصنع هذه المهارة، من خلال إتاحة فرص بسيطة للاختيار، وتشجيع الطفل على التفكير، ومساعدته على تصحيح أخطائه بنفسه. ويؤكد أن تنمية هذه القدرة لا تحمي الطفل فقط من الانقياد الخاطئ، بل تؤهله أيضًا للنجاح الدراسي والاجتماعي والمهني مستقبلًا. إنها رحلة تربوية تبدأ من البيت، لكنها تصنع «رجل المستقبل» القادر على الاختيار الواعي والمسؤول.


كلمات مفتاحيه:

الذكاء العاطفي     الذكاء الوجداني     اتخاذ القرار      تربية الأطفال
تنمية الشخصية     الثقة بالنفس     مهارات الحياة      الأسرة
الطفولة المبكرة      التربية الإيجابية

 


المقال كاملاً

يواجه طفل ما قبل المدرسة العديد من المواقف التي تتطلب منه الاختيار بين بدائل متعددة واتخاذ قرار بشأنها، وتعتمد عملية اتخاذ القرار على نوع مهم من الذکاء وهو عبارة عن نقطة التقاء الفکر مع الوجدان ليکونا ما يسمى "الذکاء الوجداني" وهو الأهم لاتخاذ قرارات ناجحة في المستقبل، وهو مفهوم عصري حديث، وقد وُجد أن له تأثيراً واضحاً في مجرى سير حياة الإنسان منذ الطفولة، وتأثيراً مهماً في طريقة تفكيره وعلاقاته وانفعالاته وقراراته طيلة حياته.


للمزيد..

  • الذكاء الوجداني نتاج مهارتي المقدرة الشخصية والمقدرة الاجتماعية
  • تدريب الطفل على اتخاذ القرار يبدأ من الأسرة


العديد من الآباء والأمهات والتربويين انزعجوا في الآونة الأخيرة من مستويات المشاكل التي يصادفها طلاب المدارس والجامعات، لذا لجأوا بكل قوة إلى تعليم الطلاب المهارات الضرورية للذكاء العاطفي، وهو من الأشياء التي نحتاج إليها في حياتنا دائمًا، ويجب ألا نترك المجال لأشياء يمكنها أن تؤثر فينا سلبًا، وأن نجيد القدرة على التحكم في عاطفتنا.


الذكاء العاطفي يمكنه التأثير في حياتنا؛ في العمل، في التعاملات البشرية المختلفة، في العلاقات التي ندخلها مع أطراف أخرى، فالتعامل مع مشاعر الآخرين يتطلب نضج مهارتين وجدانيتين، هما إدارة الذات والتعاطف مع الآخرين أو التفهم. ويشمل الذكاء العاطفي مجموعة من القدرات، مثل أن تكون قادراً على حث نفسك على الاستمرار في مواجهة الإحباطات، والتحكم في النزوات، وتأجيل إحساسك بإشباع النفس وإرضائها، والقدرة على تنظيم حالتك النفسية، ومنع الأسى من شل القدرة على التفكير، ومنح القدرة على التعاطف والشعور بالأمل.

  • تعليم الطفل اتخاذ القرار يحميه من الانقياد خلف الآراء الخاطئة لأقرانه



مهارات أساسية

الذكاء العاطفي أو الذكاء الوجداني هو نتاج مهارتين رئيسيتين: المقدرة الشخصية والمقدرة الاجتماعية. تنقسم المقدرة الشخصية للفرد إلى الوعي بالذات وإدارتها، وتركز المقدرة الاجتماعية على السلوك مع الآخرين.


وتعد دراسة العلاقة بين الذكاء العاطفي وعملية اتخاذ القرار من الحاجات الضرورية التي تثبت أهميتها في مجتمعاتنا العربية، بخاصة بعد نشوء الأزمات المتتابعة التي عصفت بالكثير، كما أن دراسة الذكاء العاطفي وربطه بعملية اتخاذ القرار تعد سمة مميزة وواضحة من أجل النجاح في خطط التنمية الاجتماعية والتعليمية وغيرها. 


 ولدراسة علاقة ذلك الذکاء بالقدرة على اتخاذ القرارات لدى أطفال ما قبل المدرسة افترضت الدراسات وجود فروق ذات دلالة إحصائية بين متوسطات درجات الأطفال ذوي الذکاء الوجداني المرتفع والأطفال ذوي الذکاء العاطفي الوجداني المنخفض؛ حيث تم إعداد مقياس القدرة على اتخاذ القرار لتطبيقه على مجموعتين وأوضحت الدراسة ضرورة إقامة الدورات والندوات والمحاضرات للعاملين في مجال الأسرة ورعاية الطفل وکذلك الأمهات، بهدف تعريفهن بأهمية تنمية الذکاء الوجداني، ومهارة اتخاذ القرار في مرحلة الطفولة المبکرة. کما أوصت بضرورة تضمين المناهج الخاصة برياض الأطفال وحدات لتعلم مهارات الذکاء الوجداني وأبعاده المختلفة وکذلک مهارات اتخاذ القرار. کما أوصت بدراسات مستقبلية تتناول تحليل أبعاد الذکاء الوجداني وتحديد الأبعاد ذات العلاقة بقدرة اتخاذ القرار، ودراسات متعمقة في اتخاذ القرارات لدى طفل ما قبل المدرسة، ودراسة خصائصه والعوامل المؤثرة فيه، ومتغيرات السن والجنس.


تكوين شخصية الطفل

ربما يتعجب البعض من الحديث عن أهمية تدريب الطفل على الاختيار واتخاذ القرار وهي خطوة ذات أهمية كبيرة في تكوين شخصيته، ويأتي ذلك تحت رعاية الأسرة، لتساعده على اكتساب خبرات مستقبلية أكثر أهمية لحياته، وتساعده على تكوين شخصية مستقلة غير مسلوبة الإرادة، كذلك تساعد الطفل فى المستقبل على صنع قرار أكثر أهمية مثل اختيار دراسته ومجال عمله واختيار شريك الحياة، وهي كلها قرارات في غاية الأهمية لاستقرار الحياة.


كما يجب تدريب وتعليم الطفل القدرة على اتخاذ القرار لحمايته من الانقياد خلف الآراء الخاطئة لأقرانه، إضافة إلى اكتساب خبرة تحمل مسؤولية نتائج اختياراته وكيفية معالجتها ان كانت غير صائبة، وإتاحة الفرص أمامه للتفكير وللتعبير عن رأيه، فضلاً عن حمايته من استغلال الآخرين له والتسلط عليه، وأيضاً تكوين شخصية سوية لدى الطفل من الصغر، واكتساب خبرات جمع المعلومات والتدقيق والتفكير قبل اختيار القرار. كذلك اختيار الأصدقاء بطريقة صحيحة، كما يكتسب الطفل خبرة أن يقول "لا" ورفض كل ما يؤذيه، وتكوين شخصية واثقة بأنها قادرة علي الاختيار واتخاذ القرار.


إن القدرة على اتخاذ القرار واحدة من المهارات المطلوبة جداً التي يجب أن يتعلمها الطفل منذ نعومة أظافره، حتى يتمكن من اتخاذ مسار حياته في المستقبل بخطوات علمية ممنهجة.


عندما يسمح الآباء لأطفالهم باتخاذ القرارات، فإن ذلك يمكّنهم من تعزيز الشعور بالثقة بينهم، كما يشجعهم على اتخاذ القرارات في المستقبل، ويساعد على تنمية مهارات التفكير المنطقي والتحليل النقدي إلى جانب التوصل إلى نتائج وحلول مختلفة لمشكلة معينة. لذا لا بد من أن يتعلمها الطفل في سن مبكرة، إذ إنه سيكون لديه براعة تحليلية أفضل، وبالتالي يمكنه اتخاذ قرارات أفضل عندما يواجه تحديات مختلفة في العالم الحقيقي.


كما سينعكس تعلم مهارة اتخاذ القرار عند الطفل مبكراً بشكل إيجابي جداً على صحتهم النفسية، ويصبحون أشخاصاً صالحين يلعبون دوراً فعالاً في مجتمعهم؛ حيث سيستطيع الطفل تحمل المسؤولية كما يكون أكثر استقلالية واعتماداً على نفسه في حل المشكلات التي قد تواجهه في حياته مستقبلاً، ويصبح أيضاً أكثر نجاحاً في حياته الدراسية والمهنية.


من أين يبدأ الطفل؟

 قد يثار سؤال حول كيف أو من أين يبدأ الطفل الاختيار واتخاذ القرار؟ وللإجابة عن هذا السؤال نقول: إن ذلك من خلال غرس الثقة بالنفس، وحسب عالم النفس آدلر فإنه "من حضن الأم تبدأ الثقة بالنفس" فإذا حصل الطفل علي احتياجه النفسي من الحب والأمان يتكون لديه الثقة بالنفس؛ ما يساعده على النجاح بالمرحلة التالية من طفولته، وحسب المراحل العمرية التي حددها عالم النفس أريكسون، فهي مرحلة الاستقلال، حينما يريد الطفل التحرك بحرية ويبدأ محاولات "الحبو على الأرض" بعيداً عن أمه ويتعلم المشي؛ عندئذ يكون نجح في اتخاذ قرار الاستقلال، وهذه أولى الخطوات.


إن تدريب الطفل على اتخاذ القرارات مبكراً يمكن أن يكون متاحاً من خلال إتاحة الفرصة له أن يختار الأشياء البسيطة التي يمكن أن يدركها بحسب المرحلة العمرية، مثل اختيار نوعية الأكل أو ألوان لعبة ما، ثم نتدرج لاختيار ملابسه، ومساعدته من خلال وضع عدة اختيارات ليتخذ قراراً من بينها، فقد لا يستطيع الطفل الاختيار وسط زحام الألعاب أو الملابس، أو حتى كثرة الزملاء. لذا من الضروري وضع عدة بدائل حتى يختار منها الطفل بحريته، وكذلك في اختيار ألعابه كأن نقول له: "ما رأيك في هاتين اللعبتين؟.. هذه يمكن أن تكوّن منها بيتاً صغيراً ذا ألوان جميلة كما في الشكل، والأخرى يمكن أن تكوّن منها سيارة وتضع بها عجلات، فماذا تختار؟


 من المعروف علمياً أنه مهارة اتخاذ القرار عند الطفل تتطور بدءاً من مراحل الطفولة الأولى، من خلال القيام ببعض الحركات البسيطة، مثل رفع الغطاء عن وجهه في حال كان منزعجاً منه، أو اختيار لعبة ما على حساب لعبة أخرى. وتسند مهمة تنمية مهارات اتخاذ القرار إلى الأسرة والوالدين، إذ يقوم الوالدان بالسماح لطفلهما باتخاذ قرارٍ ما، على أن يتم وضع التحديات أمامه ضمن قدراته ليقوم بإنجازها بنفسه، مثل ترتيب السرير أواختيار لون ملابسه.


 كما يمكن للأهل الذين لديهم أكثر من طفل طلب المساعدة من الطفل الأكبر؛ ما يزيد إحساسه بدوره الجديد، وهذا ما يشجعه على اتخاذ قرار يناسبه ويناسب إخوته في الوقت نفسه.


تدريبات أخرى على اتخاذ القرار

من الأمثلة الأخرى لهذه القرارات قرار تعلم تنظيم ميزانيت؛ من خلال منحه مصروفاً لمدة أسبوع كامل مثلاً، والسماح له بفعل ما يحلو له بمصروفه من دون طلب مساعدة من والديه. هنا عليه أن يكون قادراً على اتخاذ قرارات الميزانية لضمان بقاء المصروف لمدة أسبوع كامل، من خلال تعلمه قرارات الميزانية وكيفية اتخاذ قرارات ذكية تعود بالنفع عليه.


هناك نقطة أخرى؛ فعند تشبث الطفل بقرار غير صائب يجب أن لا نصحح نحن له أخطاءه، بل نساعده فقط على تصحيحها بنفسه، ليتعلم تحمل المسؤولية تجاه قرارته وتتكون لديه الخبرة، مثل الطفل الذي يصر على قرار لعب الكرة إلى جوار مزهرية، وبعد مناقشته سيعلم أنها سوف تنكسر، لذا نقول له "إذا كسرتها ستدفع ثمنها من مصروفك"، ويجب التنفيذ بالفعل حتى يتحمل مسؤولية قراراته غير الصائبة. كذلك يجب العمل على تقييم الاختيارات والقرارات الصائبة التى يتخذها الطفل من خلال تعبيرات تزرع فيه الثقة، مثل أن نقول له "قرار هايل أو بجد اخترت صح أو برافو عرفت تختار"، وإذا كان القرار غير صائب نقوم بتقييم القرار فنقول له: نعتقد أنه ليس قراراً جيداً.


  • علموا أولادكم كيف يصححون أخطاءهم بأنفسهم


فوائد كثيرة

يحمل تطوير مهارات اتخاذ القرار لدى الأطفال العديد من الفوائد، من بينها:

  1. فهم العواقب: فهو يساعد الأطفال على إدراك أن لكل خيار عواقب تؤثر فيهم وفي الآخرين. هذا الفهم يعزز من حس المسؤولية لديهم.

  1. التأثير الإيجابي في المجتمع: يمكن للأطفال أن يسهموا بشكل إيجابي في مجتمعاتهم؛ عندما يدركون كيف تؤثر أفعالهم في الآخرين. هذا الوعي يساعدهم على بناء مستقبل أفضل لأنفسهم ولمن حولهم.
  2. بناء الثقة بالنفس: عندما يرون تأثير قراراتهم في حياتهم، يتعلم الأطفال قيمة أفكارهم واستقلاليتهم؛ ما يعزز من ثقتهم بأنفسهم.
  3. التحضير للمستقبل: تعليم الأطفال النظر إلى الآثار طويلة الأمد لقراراتهم يمكن أن يسهم في تطوير مهارات اتخاذ القرار لديهم، ويعدّهم لمواجهة التحديات المستقبلية بفاعلية.



البوم الصور