في هذه الفترة اندلعت حرب فلسطين، وسافر الأب متطوعاً مع الجيوش العربية للدفاع عن الأرض المحتلة، وهناك دفع حياته فداءً للقضية التي آمن بها. وفي شبرا قام الأخ الأصغر للشهيد برعاية أسرة الراحل، وكم عانى من هذا الأمر، وفي النهاية فإن الأخ قرر التوبة وذهب إلى الحجاز لأداء شعائر الحج معلناً توبته النصوح.
سليمان الجندي هذا هو الذي قام بدور الابن في فيلم "الأسطى حسن" من إخراج صلاح أبوسيف سنة 1952 أيضاً. هذا الابن كان الوحيد لأب كان يعمل سباكاً، إلا أنه أضاع صحته في مغامرة عاطفية مع امرأة ثرية طحنته تماماً، وليس في هذا الفيلم أي مشاعر وطنية مثل بقية أفلام الممثل الطفل، ولكننا ذكرناه فقط لأن هذا واحد من أبرز أدواره.
وقد قام الجندي دوماً بالتمثيل أمام أنور وجدي وفريد شوقي؛ ففي العام التالي 1953 رأيناه يقوم بدور ابن الجزار الذي يتنمى أن يصبح ضابط شرطة في فيلم "ريا وسكينة" من إخراج صلاح أبوسيف، أي أن صلاح أبوسيف قد أحس بموهبته وقدمه في تلك الصورة المشرفة، فهو هنا يتمنى أن يكون ضابط شرطة ويتحدث مع ضابط الشرطة في منطقته، وقد التزم بالنظام العسكري أو "الميري"، فهو يتحدث إليه بـ "حضرة الضابط"، ويؤدي التحية العسكرية، ويحدثه أنه يتمنى لو قام بخدمة وطنية وساعده على القبض على المجرمين الذي يقتلون المواطنين الأبرياء ويسرقون منهم مصاغهم، والأمر ليس مقصوراً على التمني، ولكن هذا الصغير يحمي أخته التي استدرجتها عصابة السفاحتين، ويسرع بركوب ترام القباري كي يبلغ ضابط الشرطة بأن أخته في خطر هي وصديقتها.
وهناك مشاهد كثيرة لذلك الطفل البطل وهو يتعلق بالترام، كأنه يسابق الزمن كي يصل إلى ما يريده قبل فوات الأون، وفي النهاية فإنه بالفعل يساعد الضابط في هذه المهمة الوطنية، ويحضر المشاهد الأخيرة التي تتضمن القبض على ريا وسكينة، وإنقاذ الرهائن. في مثل هذا الفيلم ومن خلال المواقف المشرفة، انتقل سليمان الجندي ليصبح واحداً من الأبطال الكبار في الفيلم، كان في تلك الفترة دون سن العاشرة، ولكنه كان يمتلك الكثير من سمات الرجال، مثل النظرة الحادة والنبرة الواضحة وقوة الشخصية.
وسليمان الجندي هو أيضاً الذي رأيناه ابنا للصول خميس في فيلم "رصيف نمرة 5" من إخراج نيازي مصطفى عام 1955، أنه يعيش في ظروف حساسة؛ فلقد قتل زعيم المهربين أمه وهي نائمة عن طريق الخطأ، ما جعله يتربى تحت مظلة اليتم، وهو يؤازر أباه رغم صغر سنه، ويعضده ويمنحه القوة، ويساعده فيما بعد على التعرف إلى القاتل الحقيقي في المشهد الذي قامت فيه الخرساء بالتعرف إلى المعلم القاتل.

"موعد مع إبليس"
في عام 1956، ظهر سليمان الجندي من جديد في فيلم "موعد مع إبليس" من إخراج كامل التلمساني، المأخوذ عن مسرحية "فاوست"، وفي هذا الفيلم هو أيضاً الطفل الصغير الذي يهوى امتلاك الدراجات ويدفع أباه إلى ذلك، هو رغم ما استبد به من ضعف لايزال قوياً، علماً بأن الدور الوحيد لهذا الصغير الذي حطمه المرض كان في فيلم "نحن بشر"؛ ففي هذا الفيلم أصابه مرض عضال أتى عليه وحرمه من متعة الحياة.
في عام 1954 كان سليمان الجندي بمثابة الرجل الصغير، وليس الطفل، وذلك حينما ساند أخاه في موقفه حين قرر استعادة السلطان القديم الذي كان يوماً ملكاً للأب الراحل، هذا الأب الراحل كان فتوة في منطقة الحسينية، وقبل أن يموت الرجل أخبر ابنه الكبير بأنه يجب أن يسترد منزله الذي استولت عليه امرأة ذات سلطان، فذهب الشاب "فريد شوقي أيضاً" ومعه أخوه الصغير إلى المنطقة، وتعرضا للكثير من المتاعب؛ ما يعني هنا أن الطفل قد قرر استرداد حقه متمثلاً في بيت أبيه، الذي عادت الأسرة كي تقيم فيه؛ ما يعني أن سليمان الجندي بما يمتلكه من موهبة كان يجيد مثل هذه الأدوار، وسوف نرى إلى أي حد في أنه بعدما صار كبيراً أو ناضجاً؛ فطوال أكثر من 50 عاماً لم تعوضه السينما بالمرة.
ومن أبرز أدواره الوطنية في السينما هو فيلم "بورسعيد" من إخراج عزالدين ذو الفقار عام 1957 حول بطولات المقاومة الشعبية في أثناء العدوان الثلاثي. في هذا الفيلم تبدو ملامح البطولة الكاملة لدى هذا الصغير الموهوب، وقد تحولت المدينة إلى ساحة استعداد بمجرد أن أعلن الرئيس جمال عبدالناصر عن تأميم قناة السويس، وأن القوى الغادرة قد تهاجم المدينة، حيث انضم الناضجون أو الشباب إلى القوى الشعبية المناضلة المحاربة، منهم الشاويش محمد وبقية أبناء الحي، وفي مشهد لا يُنسى يمر أحد الضباط في الساحة، ويجد طفلاً قام بتجميع أطفال آخرين في سنه وراح يدربهم، وقد ارتدى هو الزي العسكري للضباط، وعندما اقترب الضابط منه حياه تحية عسكرية، وأبلغه أن أطفال المنطقة هم أيضاً جنود سيدفعون حياتهم للدفاع عن المدينة الباسلة.

هذا الطفل سيظل في أوساط الرجال والمقاتلين طوال أحداث الفيلم، لا يتخلى أبداً عن الزي العسكري الرسمي وهو يتلقى صدمات؛ عندما تنطلق دانات العدو كي تصيب أمه، وعندما يسقط أيضاً أخوه في الجبهة. إنها مواقف شهد عليها الفيلم، وقدمها عز الدين ذوالفقار بحرفية الضابط الذي كان مؤمناً بقضايا وطنه، وقدّم الكثير من القضايا الوطنية.
المناضل العربي
مع تقدم سنوات الخمسينيات من القرن العشرين انتقلت السينما المصرية إلى المنطقة العربية، وفي عام 1957 قام سليمان الجندي بدور الطفل الفلسطيني الذي يقيم في قطاع غزة مع أسرته في تلك المنطقة المحتلة، التي أتى إليها من مصر ثلاثة ضباط فدائيين بهدف تدمير مخازن الوقود الخاصة بالعدو.
نحن هنا أمام صورة أخرى للطفل نفسه، الذي يبدو أنه استعذب مثل هذه الأدوار، وهو يبدو أقرب إلى الكبار في ما يفعله معهم وفي أداء واجباته داخل القبيلة، بخاصة أن هناك جدلاً حول وجود خائن في القبيلة يبلغ العدو بأخبار هؤلاء الفدائيين.
في عام 1958 ذهبت السينما المصرية إلى الجزائر لتقديم فيلم عن جميلة بوحيرد من إخراج يوسف جاهين، وبطولة ماجدة، وقد تم إنتاج هذا الفيلم إبان النضال الحي لشعب الجزائر ضد المحتل الفرنسي، وكشف كيف أن أسراً جزائرية بأكملها قد كرست نفسها للدفاع عن وطنها، وكان سليمان الجندي هو شقيق لجميلة بوحيرد التي تم القبض عليها وساقوها إلى المحاكمة، أما شقيقها الصغير فقد انظم إلى الفدائيين بقيادة المناضل يوسف، وفي أثناء المحاكمة تم القبض على الطفل الصغير وساقوه إلى المعتقل وتعرض للتعذيب الشديد، وفي المشهد الأخير للفيلم رأينا أغنية جماعية تعبّر عن آلام وإصرار شعب الجزائر، وبدا في هذا المشهد الطفل كأنه رمز للجيل الجديد الذي سوف يحرر الجزائر، وطنه. وفي لقطات أخرى عديدة ظهرت أخته جميلة داخل الزنزانة وقد تسلحت بالإرادة وبالمحبة التي أحاطها بها الآخرون.
هذا هو سليمان الجندي، وللأسف الشديد فإن الأطفال الآخرين في تلك الفترة لم تكن لهم أدوار وطنية بهذه الصورة، حتى الطفل أحمد فرحات، الذي رحل عن عالماً عن سن 75 في نهاية عام 2024، كان هو أيضاً الأكثر شهرة، لكن المخرجين لم يسندوا إليه الأدوار الوطنية مثلما حدث مع سليمان الجندي.
بعيداً عن تلك الأدوار الوطنية، فإن سليمان الجندي كان من النجوم ذوي القامات العالية في أفلام أخرى؛ أبرزها دور الشقيق أمام شادية في فيلم "شباب امراة" سنة 1956 لصلاح أبوسيف، وأمام فاتن الحمامة في فيلم "القلب له أحكام" سنة 1957، وأيضاً في فيلم "النمرود" من إخراج عاطف سالم. والغريب أن المشاهد الأخيرة في فيلم "جميلة" كانت بمثابة وداع للطفولة من ناحية ولبطولة الأطفال من ناحية أخرى؛ حيث انحسرت أدواره فيما بعد في دور الصبي أو الشاب الصغير في أفلام بدا فيها كأنه أقل توقداً، مثل فيلم "أم العروسة" من إخراج عاطف سالم، وفيلم "النصف الآخر" من إخراج أحمد بدرخان، وقد ابتعد سليمان الجندي تماماً عن السينما، ورحل عن عالمنا عام 1996 من دون أن نعلم عنه وعن شقيقه التوأم المزيد من المعلومات.
لكن باعتبارنا نتحدث عن صورة الطفل المناضل في السينما المصرية؛ فإن الأمر قد تغير خلال العقود التالية التي أعقبت رحيل جمال عبدالناصر، ولا أذكر سوى فيلم "أحلام صغيرة" الذي أخرجه خالد الحجر، وكان من بطولة ميرفت أمين وصلاح السعدني وسيف الدين عبدالرحمن عام 1993، حيث نحن أمام الطفل غريب "تامر أشرف" في أثناء حرب السويس عام 1956، هذا الطفل كان أبواه من المناضلين الفدائيين ضد قوات الغزاة، وقد مات أبوه في إحدى المعارك، وقامت أمه بتربيته حتى صار صبياً صغيراً يعاني من قسوة الحياة ويجد نفسه أمام رجلين يتنافسان عليه: الأول هو صديق أبيه المناضل الراحل الذي يزرع فيه كل مشاعر الوطنية ويحمسه للبقاء في مدينة السويس في أثناء عدوان سنة 1967، أما الرجل الآخر فهو صاحب الورشة التي يعمل بها غريب، وهو يسعى إلى أن يتزوج أرملة الشهيد. يجد غريب نفسه مصدوماً في موقف أمه التي تبحث عن الأمان، وينضم من خلال صديق أبيه إلى قوى المقاومة الشعبية في مدينة السويس، إلا أنه عندما تشتد الحرب في المدينة ينصحه أستاذه بأن يركب شاحنة ضمن العديد من الشاحنات للتوجه إلى مدن المهجر الأخرى. إنها رحلة طويلة بالغة القسوة، تختلف تماماً عن الحياة النضالية التي عاشتها الشخصيات التي سبق أن جسدها سليمان الجندي.
