
من هنا، من بوابة العناية النفسية وجب علينا التفكير في بحث أسباب نشوء العنف عند الأطفال، وكيفية علاجه، وذلك في حوارنا مع اثنين من المختصين بعلم النفس: الدكتورة منى السيد من مصر، جامعة قناة السويس، والمدرب العالمي للتعافي النفسي "كريم الفارس" المهتمٌّ بشؤون التنمية الفكرية للطفولة والشباب، ومعد برنامج "نافذة على الأسرة والشباب" في إذاعة "شناشيل" العراقية.
في البداية نعرّف العنف حسب منظمة الصحة العالمية بأنه إحدى المشكلات الصحية العمومية التي تحدث نتيجة لاستخدام القوة والعنف البدني عن قصد، إما بالتهديد أو الإيذاء الفعلي ضد النفس، أو ضد شخص آخر أو ضد مجموعة أو مجتمع. وربما يؤدي العنف إلى الوفاة أو الضرر النفسي أو سوء النمو أو الحرمان..
سلوك وراثي أم مكتسب؟
تتطرق الدكتورة منى السيد إلى أهم العوامل التي تؤدي إلى العنف عند الأطفال قائلة: نجد بعض العوامل التي تلعب دوراً كبيراً في تنشئة العنف عند الأطفال؛ فهناك عنف مرضي نتيجة للاضطرابات والأمراض النفسية مثل فرط الحركة وتشتت الانتباه، ونجده عند بعض الأطفال ذوي مستوى الذكاء المنخفض. وكذلك هناك بعض الأمراض العقلية التي تتميز بوجود هلوسات أو ضلالات عقلية تدفع المريض إلى العنف بسبب اختلاط الواقع بتصوراته العقلية، وهذا ينضوي تحت العنف الوراثي، كذلك هناك عنف مكتسب نتيجة لسلوكيات الآباء. السلوك العدواني قد يكون متعلماً ومكتسباً من البيئة المحيطة بالطفل، مثل سلوك أحد الوالدين أو الوسط الاجتماعي المحيط، فعلى سبيل المثال؛ استخدام أسلوب الضرب في التربية وفرض الرأي يعلمان الطفل أن العنف إحدى وسائل حل المشكلات. كذلك هناك دور مهم لوسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي في تطوير العنف عند الأطفال، إضافة إلى بعض الأفلام والمسلسلات.
تتابع الدكتور منى الحديث عن أسباب العنف: قد يتعرض الطفل للاعتداء الجسدي أو الجنسي ممن هو أقوى منه، وربما تكون ردود فعله عنيفة تجاه من هو أصغر أو أضعف منه. وقد لوحظ أن وجود الأطفال في بيئة تمتاز بالفقر والجهل والبطالة يصبحون أكثر احتمالية لممارسة العنف. أضف إلى ذلك أن هناك بعض الأطفال الذين يحاولون جذب انتباه الآخرين إلى تصرفاتهم العنيفة تجاه من حولهم.
الجفاف العاطفيّ
أما المدرب العالمي للتعافي النفسي "كريم الفارس" فقد أضاف بعض الأسباب التي تؤدي إلى العنف عند الأطفال قائلاً: يؤكد علماء النفس أن إنجاب طفل سوي معافى من الأمراض أو العلل والعاهات يتكوَّن منذ الأشهر الأولى من الحمل؛ أي لا بد من الاهتمام بالمرأة الحامل وحمايتها من العوامل النفسية الضارة التي تصيبها بسبب التعامل السلبي الذي تواجهه في محيطها الاجتماعي. لذا نرى في بعض البيئات العربية أن الطفل يولد وهو يحمل الكثير من المعاناة، وربما نفقد المزيد من الأطفال بسبب غياب الرعاية وخصوصاً الرعاية النفسية للأمهات الحوامل. وقد أكدت الدراسات النفسية التي أجريت حول هذا الموضوع، والفرضيات النفسية أيضاً، ضرورة تغيير اتجاهات المجتمع نحو إيجاد آليات حديثة تتلاءم مع محيطنا العربي للعناية بالأم الحامل، وضرورة توفير أجواء نفسية إيجابية لاكتمال نمو الجنين بدنياً ونفسياً.
يضيف الفارس: هناك عامل آخر لا يقلُّ أهميَّة عن العامل السابق؛ وهو عدم استخدام الأسرة أساليب ومفاهيم وفنون التربية الإيجابية، حيث نجد بعض الأسر العربية تعاني كثيراً من الجفاف العاطفي في تعاملها مع الأطفال أو حتى مع أفراد الأسر الأخرى، هذا السبب أوجد لدينا أطفالاً محبطين لا يجدون سوى العدوانية وسيلةً للتعبير عن انفعالاتهم المكبوتة أو حاجاتهم النفسية غير المؤجلة.
ولا ننسى أيضا تأثيرات وسائل التواصل الاجتماعي التي جعلتنا غرباء في بيوتنا كأننا نزلاء فندق؛ فقد غاب الحوار الأسري الدافئ الذي يعد المفرغ الأنجح للتخلُّص من معاناتنا وانفعالاتنا وخصوصاً عند الأطفال، فقد حُرموا من هذه النعمة.. لذا نجدهم يطالبون بإعادة هذا الحق المفقود، ولكن بطريقتهم الخاصة؛ وهي اللجوء إلى العنف. لم تنته أخطاؤنا تجاه أطفالنا، بل هي تزداد كل يوم من دون الانتباه لما يحدث، فمازالت ملامح التفرقة بين الأخ والأخت لأسباب ما نزَّل الله بها من سلطان، فمجتمعنا مجتمع ذكوري بامتياز مهما يحاول البعض نفي ذلك. ومن هنا تبدأ المشاكل الحقيقية في الأسرة.
كيف نواجه العنف؟
عن كيفية مواجهة العنف عند الأطفال تتحدث الدكتورة منى السيد: يتم مواجهة العنف بتوفير البيئة الأسرية المناسبة، والحد من المشاجرات العائلية، وعدم استخدام العنف وسيلةً للتربية، وكذلك العمل على الحد من حضور الطفل نماذج العدوانية التي تحدث أمامه، سواء في المنزل أم في وسائل التواصل والإعلام. ومن المهم تقديم نماذج هادفة تصلح لأن تكون قدوة في وسائل الإعلام. أضف إلى ذلك تعليم الطفل السيطرة على الغضب وضبط النفس في المواقف المحبطة. ومن الضروري تعزيز السلوكيات التي تحث على الحوار والنقاش في المشكلات بدلاً من الصراخ والعنف، واستخدام وسائل التربية الإيجابية بدلاً من العقاب البدني والنقد اللاذع، واستخدام الأنشطة والأندية الرياضية لتوجيه طاقة الأطفال إلى تحسين قوتهم الجسدية والنفسية وتهذيب أخلاقهم، واللجوء إلى المعالج النفسي عند تكرار السلوك العنيف ويصبح السمة الغالبة على الطفل ويثير المشكلات في المدرسة والشارع والبيت.
ومن جانبه يبين كريم الفارس أهم طرق المعالجة؛ ومنها نشر الثقافة النفسية في أوساط المجتمع، وخصوصاً الآباء والأمهات، عن طريق البرامج النفسية التي تجعل الوالدين قادرين على امتلاك مهارات التعامل السوي مع الأطفال، والتعرف إلى احتياجاتهم النفسية والانفعالية. ومن الضروري عدم لجوء الأسرة إلى أسلوب التفرقة والمقارنة بين الأبناء، وأن يكون الوالدان قدوة في التسامح والعفو. ومن المهم أن تكون لدى الأسرة قوانين واضحة ومفهومة ومقبولة من قِبل الأطفال، هذه القوانين توضح بشكل جلي آليات وأساليب السلوك الإيجابي. كذلك ضرورة ابتعاد أفراد الأسرة وخصوصاً الأب والأم، عن إثارة الصراعات والمشاحنات بينهما، وعدم حدوثها أمام الأطفال، وإبعادهم عن مشاهد العنف داخل الأسرة.
يضيف الفارس: يقوم العلاج على إحلال العادات الإيجابية مكان العادات السلبية؛ فكل إنسان يمكن أن يصاب بالاكتئاب إذا نظر إلى الماضي أو قارن نفسه بالآخرين أو شعر بالغيرة الشديدة، وبخاصة الأطفال. وربما يصاب الطفل بالاكتئاب، لاسيما في سن الخامسة، إذا كان يعيش بطريقة غير آمنة وينظر إلى المستقبل بعيداً عن العيش في اللحظة الراهنة. ونعالج هذه الحالة بأن نشركه في كثير من الأمور مثل قراءة القصص الإيجابية، وهي مهمة جداً للطفل؛ فهي قريبة إلى قلبه وتنقله إلى أجواء جميلة، بخاصة إذا كانت تصب في اتجاه الحكايات الشعبية. كذلك حث الطفل على ممارسة الرسم, حيث يعبر به عن مشكلته، فيساعدنا على الكشف عنها. كذلك من الضروري اللعب معه، وأن نحتضنه ونوفِّر له الحب والأمان، ونحميه من التأثيرات الخارجية سواء في البيت أو الشارع؛ فعلى سبيل المثال قد يكون المزاح الذي يحدث بين أبويه ضاراً به، كأن يقول الأب للأم: "سوف أطلقك.. اذهبي إلى بيت أهلك" وهذا خطير جداً على الطفل؛ حيث يثير عنده شعور القلق والخوف.
حارب العنف بالغذاء
يضيف كريم الفارس: يساعد الغذاء الجيد على تحسين حالة الطفل؛ فعلينا أن نقدِّم له مثلاً صفار البيض والجوز واللوز وعصير البرتقال والثمار وبخاصة الموز.. كل هذه الأغذية يحبها الطفل وتساعده على العلاج. ومن الضروري أن نهتم بنومه؛ حيث يجب أن ينام من سبع إلى ثماني ساعات، فإذا كان قلقاً ولا ينام فعلينا أن نقدم له مغلي عشبة البابونج، وهي مهدِّئ طبيعي يجعله ينام بشكل مريح وجيد.