لئن كان المجال لا يسمح بقراءة أكاديميّة - مغرقة في التفاصيل - فإنّني أستدلّ في صياغة هذه المقالة بما يراعي تلقّي الطفل والعائلة ومختلف الفاعلين في العملية التربويّة؛ من أجل إعادة الاعتبار إلى هذا الفن، وتأكيد فعاليته في تطوير ذائقة الطفل وتنمية قدراته.
نشأة المسرح العرائسي
لا يوجد تأريخ جامع مانع لنشأة فن مسرح العرائس. لكن لا تختلف المصادر على كونه فنّاً قديماً؛ ارتبط بحضور البشر منذ الحضارات القديمة. يعتبر أحد أهمّ الفنون الشعبيّة التي عرفها المصريون القدامى والصينيون والهنود الأوائل، وعرفها بعد ذلك اليونان. تواصل نسق تطوره "عبر الأزمنة" كفاعل حيوي في التعبير عن مشاغل الإنسان. في سياق حديثنا عن الطفل، لا نجد أكثر تعبيراً من قول فوزي سليمان: "إنّ هذا الفنّ يرجع إلى اليوم الذي وضعت فيه صبيّة صغيرة - بحنان ومحبّة - قطعة من الخشب فيها ملامح غامضة بشكل إنساني ودعت هذا الشيء "عروستها"؛ في هذا اليوم وُلدت أوّل عروسة.. هذه الصبيّة الصغيرة أعطت دميتها روحا حيّة، أحاطتها بحبّها، وعكست عليها شيئا كثيراً من مشاعرها، سعيدة أو حزينة، وكذلك عيوبها ومزاياها، وأحياناً لم تتمالك نفسها فعنّفتها على خطاياها الموهومة، وكأنّها ليست إطلاقاً قطعة من الخشب. ثمّ أخذت بين الحين والحين تهدهدها وتدلّلها وتأخذها إلى صدرها تدعوها إلى النوم، أو تحاول أن توقظها في حذر وعطف أمومي. تتحدّث إليها بحنان والعروس لا تجيب، فتخترع هي عنها الإجابة، ويقوم حوار مؤثّر وجميل، تتخلّله قبلات.. إنّه حوار من جانب واحد، لكنّه حلو للغاية، استمّر أجيالاً بعد أجيال حتى يومنا هذا".
يمكن القول أنّ مسرح العرائس - بشكله المعاصر - يعتبر نافذاً في مجال التربية؛ إذ إنّه من أبرز أنواع مسرح الطفل، ويعدّ شكلاً من أشكال الدراما "تمثّل فيه الدمى ذات الأشكال الصغيرة المدوّرة التي يتحكّم فيها من أسفل مباشرة بيد محرّك الدمى أو بعصا، أو تمثّل فيه الدمى من فوق المسرح بالخروج والأشكال".
أنواع المسرح العرائسي
تبعاً للتطوّر الذي رافق علاقة الإنسان بالعرائس نتج تنوّع في مستوى اشتغالاتها. أصبحنا نتحدّث عن مسرح العرائس كأهمّ وسيلة تعليميّة فنيّة، هذا الدور تطلّب جملة تقنيات لإبلاغ رسالته، وبذلك نجد أنواعاً متعدّدة لمسرح العرائس أو الدمى، يمكن حصرها فيما يأتي:
- مسرح العرائس القفّازية: وهي دمى يُلبسها العارض إحدى يديه أو كلتيهما، وتعتمد حركتها على حركة أصابعه. يستطيع الطفل التدرّب عليها وصناعتها وتحريكها، وللاعب "الممثّل" أن يحرّك أكثر من دمية، كما يؤدّي أكثر من دور. يمكن للممثل تغيير صوته والقيام بمشاهد كوميديّة بأصوات مضحكة. ويستخدم هذا النوع في المدارس لأنّه لا يحتاج إلى الكثير من الأدوات والمعدّات. قد ترافقه بعض الموسيقى وبعض ديكورات تدلّ على زمان ومكان القصّة.
- الدمى أو العرائس ذات القائم: هي دمى مسطّحة ذات أجزاء قابلة الحركة، وترتبط بسلط صلب كالذي يُستخدم في عمل المظلّات، أو تعتمد على عصيّ خشبيّة رفيعة مثبّتة على الذراعين أو الرأس.
- مسرح خيال الظلّ: "هي أشكال مسطّحة ومفصّلة تتّصل أجزاؤها بواسطة مفاصل تساعد على الحركات المطلوبة وتصنع هذه الأشكال عادة من الورق المقوّى والرقائق المعدنيّة" ويعتبر هذا المسرح من أقدم الأشكال في المسرح العرائسي، يقوم على التحريك من خلف ستارة تسلّط عليها الأضواء الملوّنة من الخلف. يجلس الأطفال لمشاهدة ظلال العرائس وخيالاتها.
- مسرح دمى الخيوط "الماريونيت": يعتبر من أهمّ تقنيات مسرح العرائس ثراءً من ناحية الإمكانات الفنيّة. تكون فيه العروس خشبيّة أو من القماش أو من الورق المضغوط، "تصنع بشكل يضمن لها الحركة الواسعة، وتكثر مفاصلها ويصبح من السهل عليها أن تتحرّك في كل الاتجاهات وبكل أطرافها وهي زاهية الألوان، لها ملابس كاريكاتورية التصميم، ولهذا المسرح ديكور تلعب من خلاله المناظر المسطّحة أو المجسّمة دوراً كبيراً؛ فهي تعطي تأثيراً إيجابيّاً ومكانيّاً يساعد على تيسير الإخراج، كما أنّ الإضاءة تلعب دورا حيويّاً"
ما يجمع هذه الأشكال هو تنويع الأداء التعبيري، وبذلك تتناغم أبعاد الاشتغال في المسرح العرائسي مع خيال الطفل كي تخلق آثاراً نافذة في المستوى التربوي والتوعوي. هذه الأهميّة تتطلّب شروطاً ومعرفة كي يتحقّق الهدف من العروض العرائسيّة.
شروط عروض المسرح العرائسي
- من المعروف في علم النفس أنّ درجات الفهم تتفاوت بين الأطفال حسب الأعمار، كما يوجد تناسب عكسي بين أعمار الأطفال ومقدرتهم على التخييل؛ فما يثير ضحك طفل في العاشرة أو في الثانية عشرة قد يستحيل فهمه بالنسبة إلى الأطفال في سنّ الخامسة أو السابعة، على هذا الأساس فإنّ من الضروري معرفة سنّ الأطفال قبل تقديم النوع الملائم لهم من المسرحيّات العرائس.
- الأطفال الصغار - من الخامسة حتّى السابعة - تقدّم لهم مسرحيات مبسّطة، غاية في السهولة واليسر، سواء في أحداثها أو في أسلوب حوارها. ولا تحوي مشاهد هذه المسرحيّات أيّة أفعال عنيفة أو أقوال شريرة. بالنسبة إلى الأطفال الأكبر سنّا يمكن تقديم مسرحيات العرائس التي تحوي مشاهد الصراع، ولكن بشرط أن يكون واضحاً تماماً أنّ بطل المسرحيّة لا يدخل حلبة الصراع لأجل المصلحة الفرديّة؛ وإنّما لنصرة الخير "استخدام الدمى هو وسيلة يكتسب من خلالها الأطفال عدداً من القيم الأخلاقية".
- تكون المسرحيّات العرائسيّة محبّبة لقلوب الأطفال من خلال اشتغالها ضمن قوالب كوميديّة، في متناول مداركهم ودرجات فهمهم للأحداث والأقوال.
- يجب أن تكون المسرحيّات أعمالاً فنيّة حقيقيّة وليست مفبركة؛ بمعنى أن لا ينتهز القائمون بأمر العرائس القصور الطبيعي في مدارك الأطفال وضعف ملكاتهم النقديّة، ليعرضوا عليهم أعمالاً لا فنّ فيها، قد تسبّب من الضرر أكثر ممّا تثمره من النفع.
- من الناحية التكنيكيّة لمسرحيّات العرائس نجد أنّ التحليلات النفسيّة المعقّدة لا تتناسب مع طبيعة العمل الفنّي على مسرح العرائس. في الوقت نفسه يصعب أن تكون في مستوى إفهام الروّاد الصغار. من الواجب لأجل هذا أن تكون الشخصيّات التي تلعب على مسرح العرائس على درجة معيّنة من العموميّة، وأن تكون نموذجيّة. هذا النوع من الشخصيّات يمكن أن يستند في بنائه الفني إلى القصص الخيالية الرمزيّة وأبطال الأساطير الشعبيّة.
- يجب على الفنانين وهم يقدّمون عملاً عرائسياً الابتعاد عن المحليّة، وأن يستخدموا في أثناء التأليف اللغة العربيّة المبسّطة، التي تتّفق مع قدرات الطفل، وأن يبتعدوا عن لهجاته الشعبية، حرصاً على هذا الفنّ من الإندثار والتلاشي؛ ذلك لأنّه يمسّ احتياجات الطفل في كلّ مكان، فإذا كتب بلغة عربية معروفة كان من السهل ترجمتها إلى اللغة المراد التعامل بها.
- إعداد العروسة ذاتها: تصميمها وتلوينها ثم عرضها عمل تربوي مفيد. إنّ إبتكار شخصيّة العروسة تستلزم تنمية ملكة الخيال عند الطفل، وكذلك إعدادها يستلزم القيام بعملية الرسم والخياطة والتلوين. يمكن للمؤطر أن يتبين في أثناء إعداد اللعبة المواهب والإمكانات المتوافرة لدى كل طفل، سواء كانت يدويّة أو تخييليّة أو عقليّة.

بناء وعي الطفل
- المسرح العرائسي يعدّ مسرحاً عالميّاً في فكرته، لم يعد يليق بنا الإبقاء على الأطفال أمام شاشة التلفاز أو الحاسوب انتظاراً لبرامجه التي لا تتناسب مع أعمارهم. يجب فهم مسرح العرائس بما هو "طريقة تربويّة هادفة تعنى بالوسائل السمعيّة والبصريّة ممّا يتيح مخاطبة الأطفال وعواطفهم بأسلوب ممتع طريف".
- يبث المسرح العرائسي القيم الروحيّة والاجتماعيّة، التي تعدّ الطفل لاستقبال حياته العملية في الكبر، وهو محصّن بمجموعة من الخبرات التي يكتسبها بطريقة غير مباشرة.
- يؤثّر المسرح العرائس في التكوين النفسي للطفل بما يجعله قادراً على التكيّف مع متناقضات المحيط الذي يعيش فيه، حتى لا يصطدم بجهامة الواقع.
- يلعب المسرح العرائسي دوراً مهمّا في التربية الفكريّة للأطفال؛ فالطفل في سنواته الأولى تتكوّن ملامح شخصيّته من خلال تجاربه الخاصّة، فتتجدّد قدراته الفكريّة بمجالات الإدراك التى تتهيّأ له. إدراك الطفل للأشياء لا يأتي إلّا بالممارسة والعمل.. هنا، يلعب مسرح العرائس دورا جوهريّا في تجسيد الأفكار التي تدور بذهن الطفل بشكل مشوش وخاطئ، فيقوم مسرح العرائس بتصحيحها.
- يلقى المسرح العرائسي اهتماماً كبيراً من ناحية الطفل، وخلال جميع مراحل نموه، بمجرّد مشاهدة الطفل للعرض العرائسي تقوى ذاكرته وتصوّره للخبرات السابقة تمهيداً لاستدعائها. تنمو قدرته الخيالية وهذه القدرة لها دور كبير في بناء الأفكار والتجارب الجديدة.
- اندماج الطفل مع العرض المسرحي يوفّر له نوعين من التوازن: بين اتجاهاته العقلية والانفعالية والفكرية والحسيّة وبين الوعي واللاوعي. ويمكن أن تتحوّل بعض الدوافع الهدّامة لدى الأطفال إلى دوافع بنّاءة.
- يسهم المسرح العرائسي في تنمية الإدراك عند الأطفال: الإدراك البصري عن طريق الإحساس بحركة العروسة التعبيريّة وإيماءاتها وشكلها وحجمها ولونها الجذّاب. كما ينمو الإدراك السمعي عن طريق الموسيقى التصويريّة وكلمات الأغنية المناسبة للمشهد.
- يسهم المسرح العرائسي في تنمية مدركات الطفل، التي تعدّ ضرورة مهمّة في عملية تنشئته؛ فما لا شكّ فيه أنّ الثقافة عمليّة مهمّة في حياة الإنسان، حيث تلعب دوراً عظيماً في تغيير وجه المجتمع وبنائه، وإذا كانت الثقافة تعمل على تطوير عقليّة الإنسان وتعكس الأسلوب الذي تتشكّل به عاداته وسلوكه، وجب الاهتمام بتنمية عقليّة الطفل تنمية سليمة وكاملة من كل النواحي، ومسرح العرائس قادر على تقديم الثقافة للطفل.

آفات تتربص بأطفالنا
الاهتمام بإعادة الإعتبار للمسرح العرائسي خطوة فاعلة في سبيل مواجهة زحف مختلف الآفات التي تتربص بالأطفال. وفي الوقت الذي يفرض العصر الراهن بسطوته الاستهلاكية نسقاً من الفراغ القيمي والعاطفي والتوعوي؛ يجب علينا سد هذه الهوة عبر تجذير هذا النوع المسرحي في الاشتغالات التعليميّة والتنشيطيّة.