فــــــوائد:
- الرقمنة تعزز التماسك الأسري والبقاء على اتصال دائم مع أفراد الأسرة الذين يعيشون بعيدًا
- تتيح تبادل المعلومات والصور ومقاطع الفيديو بسرعة وبشكل متعدد الأطراف وبسهولة أكبر
مــــخاطر:
- تزيد من احتمال تدهور القدرات العاطفية والإدراكية والبدنية
- تؤثر سلبًا في نمو الأطفال الاجتماعي والمعرفي واللغوي
الرقمنة والتغيير الأسري
أحدثت التحولات الرقمية تغييرات ملحوظة في كيفية ممارسة الحياة الأسرية، كما أعادت تشكيل الأنماط الزمنية، والمكانية، والمنطق التنظيمي للحياة الأسرية، ومن هذه التغييرات:
- التقنيات الرقمية تُوسّع نطاق الممارسات الأسرية التقليدية، وتُعززها؛ حيث تيسر الرقمنة وتؤثر في كيفية استدامة التفاعلات الروتينية والتبادلات الوظيفية بين أفراد الأسرة، كما تُعزز القدرة المعلوماتية، والعاطفية، والمادية للأسر على استيعاب تجاربها ومواجهة التحديات الأسرية لاسيما في الأوقات الصعبة، وللمجموعات المعزولة.
- الأدوات والمنصات الرقمية تطغى – تدريجيًا - على بعض الممارسات الأسرية التقليدية؛ فقد حلّت المواعدة عبر الإنترنت محل المقابلات الاجتماعية التقليدية، مثل مقابلات العائلة والأصدقاء؛ فضلًا عن أن اعتماد الأجيال الجديدة من أبناء العصر الرقمي بشكل شبه حصري على الخدمات المصرفية عبر الإنترنت والمدفوعات عبر الهاتف المحمول جعل إدارة الشؤون المالية رقميًا ذا تأثير بالغ في الاستقلالية والسلطة في الحياة الأسرية.
- الرقمنة تُنشئ ممارسات أسرية جديدة؛ حيث صار استخدام تقنيات تتبع الموقع، وتوافر الأجهزة القابلة للاستعمال واللبس (وكأنها مجرد أكسسوارات) أمرًا طبيعيًا لدى الكثيرين؛ ما يستلزم تسلل المراقبة إلى الحياة الأسرية الخاصة بشكل غير مسبوق.
- التقنيات الرقمية توفر مرونة زمنية؛ فعندما ينخرط الأفراد في أنشطة عائلية عبر الإنترنت، يصبح عدم التزامن، وتسريع وقت الأسرة ممكنًا؛ حيث يُتاح لأفراد الأسرة المرونة للحفاظ على اتصال غير متزامن؛ من خلال رسائل البريد الإلكتروني، ورسائل الدردشة عبر الإنترنت، ووسم بعضهم بعضاً في منشورات وسائل التواصل الاجتماعي؛ فضلًا عن الانخراط في تفاعلات آنية عبر الوسائط السمعية، والبصرية.
- الأدوات والمنصات الرقمية توسع نطاق العلاقات الأسرية؛ حيث تُختبر الحياة الأسرية عبر الإنترنت؛ من خلال طمس، وإعادة صياغة الحدود المادية، والاجتماعية؛ ما جعل العلاقات الأسرية المتصلة رقميًا تتحدى التوقعات المعيارية للوجود المادي المشترك في الحياة الأسرية. وبفضل قدرتها على تجاوز قيود المساحة المادية؛ فإنها تعمل على توسيع العلاقات عبر الأسر، والمسافات، والدول لاسيما في ظل تزايد عدد الأسر العابرة للحدود المحلية، والوطنية، والعالمية.
- الرقمنة تكثف المسؤوليات الأسرية؛ ففي العصر الرقمي اتسع نطاق الحياة الأسرية ليشمل عالمًا افتراضيًا؛ حيث تضم المجتمعات الإلكترونية أفرادًا غير مرتبطين ببعضهم؛ لعرض حياتهم، وتبادل الدعم الأسري في الفضاء الإلكتروني، وخارجه؛ ما يزيد من مسؤوليات الأسر في عديد من المناحي؛ مثل رعاية الأطفال.
تأثيرات في الحياة الأسرية
رغم أن العديد من الأسر تُقدّر الإمكانات الجديدة والموسعة للتواصل والتبادل بين أفراد الأسرة الذين يعيشون في أماكن بعيدة، والشعور بالأمان الذي يكتسبونه من سهولة الوصول إلى أفراد الأسرة؛ فإنه ينبغي عدم الاستهانة بأن بعض العائلات تشعر – من دون شك - بالإرهاق من الرقمنة، عندما تتفاقم - على سبيل المثال - الخلافات مع الأطفال حول وقت الشاشة، والسلوك الرقمي الإشكالي،... وغيرها؛ فضلًا عن اتساع تأثيرها ليشمل العلاقات بين الأبناء البالغين وآبائهم المسنين الذين يزداد اعتمادهم عليهم، وبين الأجداد والأحفاد؛ حيث إن كيفية الحصول على المعلومات تكشف عن تغير الأدوار داخل الأسر، وانخفاض قيمة مخازن المعرفة القديمة المرتبطة بها، على سبيل المثال إذا واجه الآباء مشكلة مع أطفالهم، فهل يفضلون طلب النصيحة من أمهاتهم/آبائهم أو من مجموعات الإنترنت؟ هل يُفضل الأطفال الصغار مشاهدة فيديو عن كيفية تنظيم خزانة ملابسهم أو حل مشكلة رياضية، أم يلجأون إلى آبائهم ليعرفوا كيفية أداء ذلك؟

فرص للتغيير
تتجلى فرص التغيير الرقمي للحياة الأسرية في عدة مظاهر؛ منها:
- تعزز التواصل، والتماسك الأسري، والبقاء على اتصال دائم مع أفراد الأسرة الذين يعيشون بعيدًا.
- تتيح تبادل المعلومات والصور ومقاطع الفيديو بسرعة وبشكل متعدد الأطراف، وبسهولة أكبر؛ من خلال الإمكانات التقنية للمحادثات والمجموعات العائلية.
- تساعد كبار السن على العيش لفترة أطول باستقلالية في بيئتهم المنزلية.
- توفر تكنولوجيا الاستشعار التي تراقب العلامات الحيوية لأفراد الأسرة المسنين الذين يعانون من مشكلات صحية، كما تُفعّل المساعدة في حالات الطوارئ؛ ما يزيد من الشعور بالأمان لدى كل من المتضررين وأقاربهم.
- تحسن مشاركة الأسر في العمليات الاجتماعية والسياسية والثقافية والتعليمية؛ من خلال تسهيل الوصول إليها.
- تُسهم في تبادل المعلومات حول العديد من القضايا؛ مثل: التعليم، والصحة، وحلول النزاعات؛ من خلال غرف الدردشة، والمنتديات الإلكترونية، لاسيما في حال عدم وجود مجموعات تجتمع فعليًا بالقرب من المنزل.
- تُتيح بدائل للتوفيق بين الأسرة والمهنة؛ من خلال فرص جديدة لجعل ساعات العمل أكثر مرونة، وتسهيل العمل من المنزل، والعمل عن بُعد.
- تُمكّن العائلات من صياغة اهتماماتها وتنظيمها وعرضها علنًا والترويج لها.
مظاهر التغيير
تنطوي الرقمنة على عديد من المخاطر على الحياة الأسرية؛ منها ما يأتي:
- تزيد من إضفاء الطابع الفردي على أفراد الأسرة وانعزالهم؛ حيث إن استهلاك الأطفال والمراهقين للوسائط الرقمية صار متصلًا دائمًا بالإنترنت وفرديًا في غرفهم الخاصة، أو في أثناء التنقل.
- تؤدي إلى مخاطر على الصحة البدنية والنفسية؛ لأنها تزيد من احتمال تدهور القدرات العاطفية، والإدراكية، والبدنية. كما تؤثر سلبًا على نمو الأطفال الاجتماعي، والعاطفي، والمعرفي، واللغوي؛ حيث إن الأطفال الذين اعتادوا التفاعل مع أداة بلا حياة قد يكبرون وهم محرجون اجتماعيًا ولا يعرفون كيفية التواصل مع الاخرين من حولهم، ويفضلون البقاء بمفردهم بدلًا من التواصل مع والديهم أو أشقائهم أو أقرانهم.
- تُعرّض الأطفال والمراهقين والبالغين للخطر؛ مثل التنمّر الإلكتروني، أو الاستدراج الإلكتروني.
- تُسبب مشكلات تتعلق بحماية المستهلك وأمن البيانات أو تقييد حق تقرير المصير المعلوماتي؛ فضلًا عن مواجهة التضليل والتأثير السياسي المتطرف.
- تفاقم ظاهرة الأبوة والأمومة الزائفة، وهي ظاهرة ينشر فيها الآباء على مواقع التواصل الاجتماعي إنجازات أبنائهم بقصد التباهي بأدائهم؛ حيث أصبح الأطفال مجرد أدوات، وأصبحت اللحظات العائلية السعيدة وسيلة لحصد الإعجابات والمشاركات على فيسبوك وإنستغرام. كما خلقت ثقافة المقارنة المستمرة التي تفاقم التفاوت بين العائلات.
- تحرم الأطفال والمراهقين - بإجبارهم على الجلوس ساكنين واستهلاك أي شيء يظهر على الشاشة أمامهم- من التفاعل اللفظي والمناقشات مع الآباء والتي تُعد حاجات غاية في الأهمية لنمو الإنسان.
- تؤثر سلبًا في علاقة الوالدين بالطفل، وتطوره النفسي والاجتماعي أيضًا؛ حيث إن الآباء الذين يستخدمون أجهزتهم باستمرار أمام أطفالهم أو في أثناء وقت الأسرة ليس لديهم تفاعل أقل مع أطفالهم فحسب، بل إنهم عدائيون تجاههم أيضًا؛ ما يؤدي إلى تطوير اضطرابات سلوكية لدى هؤلاء الأطفال؛ مثل الحزن، والانسحاب، وفرط النشاط، ونوبات الغضب.
- تطمس الخطوط الفاصلة بين الحياة الخاصة والعملية، لاسيما في حالة الوظائف التي تتطلب أن يكون الآباء في وضع "دائم التشغيل" ؛ لذا يكافح الأطفال للتنافس مع الأدوات والأجهزة للحصول على اهتمام والديهم، ويتراكم التوتر عندما يحاول الأطفال استعادة الاهتمام الذي تم انتزاعه منهم، فيتلقون توبيخاً أو استجابة سلبية من والديهم الغاضبين.
- تثير التقنيات الرقمية تساؤلات أخلاقية؛ مثل: ما درجة التحكم الرقمي المسموح بها للأطفال والمراهقين، في ظل الحاجة المشروعة للمراقبة من جانب الوالدين؟ ومتى يتجاوز الآباء عتبة التحكم المفرط؛ ما يُعرّض نمو الأطفال، واستقلاليتهم للخطر؟ ومتى يصبح من غير المشروع مراقبة كبار السن، والتدخل بشكل مبالغ فيه في حقوقهم الشخصية؟ وما مدى ضخامة الضغط الفردي للحفاظ على سهولة التواصل وسرعة الاستجابة له؟ ومتى يستخدم الفرد الحق في الانقطاع عن العالم الرقمي الشخصي والمهني؟

استراتيجيات إدارة التكنولوجيا
ينبغي على الآباء اتباع نهج مرن، يسمح لهم بتكييف قواعدهم، وممارساتهم؛ وفقًا للتطورات التكنولوجية واحتياجات الأسرة المتغيرة؛ من خلال التواصل المفتوح، والتخطيط الجيد لوقت الأسرة، والتثقيف بأخلاقيات استخدام التكنولوجيا، والمراقبة الحكيمة. كما يمكن للعائلات أن تعيش رحلة مشتركة تدعم التوازن في استخدام التكنولوجيا؛ حيث إن التكنولوجيا أداة يُمكن أن تُحقق فوائدَ كبيرةً إذا استُخدمت بحكمةٍ ووعيٍ ومن هذه الاستراتيجيات ما يأتي:
- وضع قواعد وحدود واضحة لاستخدام التكنولوجيا؛ من خلال تحديد وقت مناسب وصحي لاستخدام الشاشة لكل فرد من أفراد الأسرة.
- تقييد وقت استخدام الشاشة قبل النوم أمر بالغ الأهمية لضمان نوم جيد؛ من خلال تطبيق سياسة الصندوق الليلي، ويعني أنه في وقت مُحدد تُطفأ جميع الأجهزة الإلكترونية أو تُوضع في الصندوق.
- مراقبة المحتوى الذي يتصفحه الأطفال والمراهقون بانتظام؛ للتأكد من أنه مناسب لأعمارهم ويُكسبهم عادات جيدة.
- تثقيف الأبناء حول الأخلاقيات الرقمية، واستخدام التكنولوجيا بحكمة، وتوعيتهم بالمخاطر والعواقب المحتملة للاستخدام الإشكالي للتكنولوجيا؛ مثل: التنمر الإلكتروني، وإدمان الإنترنت، وكيفية تحديد المحتوى غير اللائق.
- تعليم الأطفال كيفية التحلي باللطف، واحترام خصوصية الآخرين، وتجنب السلوكيات الضارة على الإنترنت، وتوعيتهم بتأثير الكلمات المسيئة في الآخرين.
- إشراك الأطفال في الحديث عن تجاربهم على الإنترنت، ومناقشة الأسئلة أو المخاوف التي قد تطرأ عليهم، والاستماع إلى مشاعرهم حول كيفية تأثير التكنولوجيا في العلاقات الأسرية.
- التخطيط لأنشطة عائلية لا تتضمن التكنولوجيا على الإطلاق؛ مثل: أنشطة المشي في الحديقة، أو التنزه، أو ركوب الدراجات، أو لعب ألعاب الطاولة؛ ما يُعزز الروابط العائلية، ويخلق ذكريات قيّمة.
- التخطيط لـوقت التكنولوجيا معًا، وهو الوقت الذي تقضيه الأسرة لاستكشاف التكنولوجيا؛ مثل التخطيط لأمسية سينمائية عائلية حيث يشاهدون فيلمًا معًا ويتشاركون في نقاش حوله؛ ما يخلق فرصة للتفاعل وتبادل التجارب الإيجابية مع التكنولوجيا.
- تسهيل عملية التعلم التكنولوجي السليم؛ من خلال تعليم الأطفال كيفية العثور على معلومات موثوق بها على الإنترنت، ودعم تطوير مهارات حل المشكلات، وتحفيز اهتمامهم بتطوير التطبيقات أو البرمجة.
- مراقبة التغيرات السلوكية التي قد تطرأ على الأبناء نتيجة استخدام التكنولوجيا.
- وعي الوالدين بأنهم قدوة في إدارة التكنولوجيا؛ لذا ينبغي عليهم تبني سلوك أخلاقي ومسؤول على الإنترنت وخارجه، ليكونوا قدوة حسنة لأبنائهم.
في الختام...
يُمثل استخدام التكنولوجيا في الأسرة تحديًا يتطلب وعي وحكمة الآباء، فكلما زاد الوقت الذي يقضيه الأطفال في استخدام الأجهزة التكنولوجية، قلّ الوقت الذي يقضونه في التفاعل المباشر مع والديهم؛ ما يعرقل بناء علاقات قوية بين الآباء والأبناء؛ فضلًا عن أن استخدام التكنولوجيا في الأسرة قد يختلف تبعًا لخصائص الأسرة؛ مثل أعمار الأطفال، واهتماماتهم، واحتياجاتهم، ومستوى وعي الوالدين،... وغيرها؛ ما يستلزم مراعاة هذه الاختلافات في إدارة التكنولوجيا داخل الأسرة. ومن هنا يحتاج الآباء إلى التخطيط الحكيم والتواصل المستمر في مواجهة تأثير التكنولوجيا في الأسرة باتباع طرائق مبتكرة ومستدامة؛ تحقق توازناً يدعم نمو الأطفال وسعادتهم في عصر التكنولوجيا المتطورة باستمرار.