ويختلف الدعم النفسي قليلاً عن مفهوم "الرعاية الصحية" النفسية التي تتطلب تدخل معالج متخصص، وبروتوكولات طبية محددة؛ فالدعم النفسي يمكن أن يقدم من خلال متخصص نفسي أو متطوع مدرب على تقديم تلك الخدمات، وكذلك من خلال الرفاق أو المقربين أو الأصدقاء أو غيرهم ممن يجيدون التأثير في الآخرين ويستطيعون مساعدتهم على التغلب على المحن.
ويعرف المعجم الوسیط "الأزمة" Crisis لغوياً بالضیق والشدة، والأزمة هي الشدة والقحط وجمعها "أوازم"، وكما ورد في مختار الصحاح "الأزمة هي الشدة والقحط "، و"المأزم" المضیق، وكل طریق ضیق بین جبلین مأزم، وموضوع الحرب أیضا ًمأزم.
كما يعرف الكارثة Disaster بكونها نازلة عظیمة وشدة، وجمعها كوارث. ویقال كرثته الكوارث أي أقلقته، وكرثه الأمر أي اشتد علیه وبلغ منه المشقة، فهو كارث.
وتمثل الكارثة لحظة من لحظات الأزمة فهي اللحظة التي یبدأ فیها انفجار الأزمة، ويعد كل منهما نتيجة لعدم مواجهة مشكلة ما أو للإخفاق في إدارة الموقف؛ مما ترتب على ذلك ردود أفعال واستجابات تختلف في النوع والدرجة والاستمرارية.

الصدمات النفسية الناتجة عن تعرض الطفل للأزمات والكوارث
یؤدي التعرض لأزمة ما إلى الإصابة بما يعرف بـ "الصدمة النفسیة" التي تتمیز بظهور أعراض نفسیة وجسمیة متعدد ة، وبخاصة في حالة عدم زوال الضغط الواقع علی الطفل. ولعل هذا ما یجعل من التدخل في وقت الأزمة أمراً حیویاً، حیث إنه یساعد على توفیر وقایة أولیة، والتخفیف من حدة الآثار النفسیة إذا ما حدثت لاحقاً.
ويمكن أن تحدث الصدمة النفسية الناتجة عن التعرض للأزمة لكل طفل، وعلى الرغم من أن للفروق الفردیة تأثیراً في احتمالات سرعة تشافي الطفل وعبوره موقف الأزمة بسلام أو تعسره وإصابته بالانهیار عقب تعرضه لصدمه أو أزمة ما، وكذا في شكل وتوقیت الاضطرابات، فلا یوجد طفل لدیه مناعة مطلقة من احتمالات إصابته بالاضطرابات عند تعرضه للأزمات والكوارث، وبخاصة إذ تسببت المواقف المحملة بضغوط نفسیة شدیدة عبئاً أو حملاً زائداً ینتج عنه حالة من العجز أو الاضطراب الوظیفي للبناء النفسي للطفل.
وتتوقف شدة تأثر الطفل بالأزمة واستجاباته نحوها بشكل أساسي على إدراكه لمعنى ودلالة الحدث أو الموقف، بناء على ترجمته إلى دلالات الحدث أو الموقف بالنسبة إلى إدراك كل طفل لها على حدة، وهو ما يعرف بالمعالجة النفسیة للحدث أو الموقف، وهو ما يفسره بوضوح الإطار النظري السیكولوجي للعلاج العقلاني الانفعالي المتمثل في نظریة الشخصیة لـ إلبرت ألیس 1993م، الذي ينظر إلى درجة التأثير الانفعالي للموقف أو الحدث في الطفل من خلال طبيعة إدراك الطفل للحدث أو الخبرة ((Act، هذا الإدراك الذي يختلف من حيث درجته وشدته من طفل إلى آخر والمتمثل في النتیجة الانفعالیة Emotional Consequence التي يشعر بها الطفل نتيجة تعرضه للموقف ككل باختلاف أفكار الطفل ومعتقداته (Beliefs) المرتبطة بالحدث. فإذا حدث أن شعر طفل ما بخبرة انفعالیة كالصدمة النفسیة نتیجة لحادث ما، كالتعرض لزلزال أو إعصار أو المرور بخبرة وفاة شخص قريب على سبيل المثال، فإن حدوث الحادثة المتمثلة في حالة الوفاة، مع أنه یبدو هو السبب في النتیجة الانفعالية المتمثلة في الصدمة النفسية، فإن الأمر وفقاً لتفسير هذه النظریة لیس كذلك؛ حیث إن النتیجة الانفعالیة لمواقف الأزمات قد تختلف من طفل إلى آخر باختلاف طریقة إدراك هذا الطفل وأفكاره ومعتقداته عن هذا الحادث، فقد يرى طفل أن الوفاة راحة للمتوفى الذي عاصره يتألم نتيجة المرض الجسدي، أو أن الوفاة ما هي إلا أمر مؤقت، أو أنه يشبه النوم، في حين قد ينتاب طفل آخر الشعور بالذنب أو المسؤولية تجاه حالة الوفاة، وقد يتوقع طفل آخر أن الموت سوف يصيب الوالدين قريباً وأنه لن يجد من يقوم برعايته. وبالتالي فإن طريقة إدراك الطفل وأفكاره ومعتقداته، ولیست الحادثة، هي التي تعتبر مسؤولة عن ظهور هذه النتیجة الانفعالیة في صورة صدمة نفسیة أو تماسك وصلابة نفسیة تجاه مواقف الأزمات، أي أن الإدراك وخلفه قیم ومعتقدات الطفل هي التي تنتج المعالجة النفسیة للأزمة والكارثة التي تعرض لها الطفل .
إشكاليات الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة في مواجهة الأزمات والكوارث
بشكل عام فإن الأطفال في مراحل حياتهم المبكرة يعدون الأكثر تضرراً من وقوع الأزمات والكوارث؛ بما يتسمون به من حساسية شديدة تجاه أي تغيرات تطرأ على حياتهم، فتسبب لهم الارتباك والتشويش وتعزز مشاعر الخوف والقلق، بخاصة مع عدم القدرة على التكيف السليم معها. كما يزيد من صعوبة مواجه الأحداث الصادمة لدى الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة ويلقى بظلال أكثر كثافة على معاناتهم من جراء التعرض للأزمات والكوارث أمران:
1- الخصائص النمائية لهؤلاء الأطفال وما يعتريها من جوانب ضعف وقصور يختلف باختلاف العجز الذي يعاني منه الطفل ودرجته كما يأتي:
- فالطفل الذي يعاني من قصور فكري يجعله عاجزاً عن الانتباه للإشارات المنذرة للكارثة أو الأزمة والإدراك السليم والكامل للموقف الخطر وأساليب التعامل معه وعدم القدرة على إيجاد حلول منطقيه وسليمة للمشكلات التي يتعرض لها.
- والطفل العاجز عن التواصل واستقبال الإشارات السمعية والتعليمات الخاصة بالإجلاء والحماية والعاجز عن التواصل من حيث التعبير اللغوي عن انفعالاته ومخاوفه وحاجاته في أثناء الكارثة وبعدها.
- والطفل العاجز عن استقبال الإشارات البصرية المعبرة عن الأزمة وحجمها وشدتها والتحديد البصري لأماكن الحماية ومواطن الخطورة والمنافذ والطرق والممرات الآمنة للنجاة.
- والطفل العاجز عن ترجمة الجوانب الانفعالية للأزمة كما تبدو على وجوه المحيطين وتعكسها لغة أجسادهم، ويعاني من صعوبات في قدرته على التفريغ الوجداني والتعبير عن مخاوفه وانفعالاته لفظياً أو غير لفظياً ولديه اختلال في مستقبلاته الحسيه للمثيرات البيئية.
- والطفل الذي يعاني من تشتت الانتباه وعدم القدرة على مواصلة انتباهه لفترة كافية لإدراك الموقف، ولديه صعوبة في نقل انتباهه عبر المثيرات المختلفة في أثناء تعرضه للكارثة.
- والطفل الذي يدرك وضعه الصحي الجسدي وصعوبة تجنب الكثير من المخاطر الناجمة عن الكوارث كالزلازل والحروب والفيضانات على الرغم من وعيه وإدراكه لتك المخاطر لعجزه الحركي.
- جميعها حالات تشير إلى الصعوبات التي تقابل ذوي الاحتياجات الخاصة وما يترتب عليها من تفاقم الأزمات والاضطرابات النفسية التي يتوقع إصابتهم بها.
2- وهو أمر يزيد من معاناتهم، ويتمثل في العبء النفسي الواقع على الشخص الراشد المنوط به تأمين حياة الطفل ودعمه وإرشاده وتوجيهه في ظل كونه طفلاً معاقاً؛ ما قد يتسبب في تعطيل قدراته على الإدراك الصحيح والتصرف المناسب في أثناء الأزمة.
وهو ما يوضح مدى المعاناة التي يتعرض لها الأطفال ذوو الاحتياجات الخاصة عند مرورهم بمواقف الأزمات والكوارث وهو ما يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار عند وضع وتخطيط برامج الحماية والدعم اللازمة لهم.
إجراءات الدعم النفسي والحماية لذوي الاحتياجات الخاصة لمواجهة الأزمات والكوارث:
في ضوء ما سبق يتضح لنا بعض الاحتياجات اللازمة لتضمينها وتفعيلها إجرائيا ببرامج الحماية والدعم التي تضعها الدولة بالتعاون مع مؤسساتها المختلفة ومنظمات المجتمع المدني لضمان السلامة النفسية والاجتماعية والحماية لأطفالنا من ذوي الاحتياجات الخاصة عند تعرضهم للازمات والكوارث، وتتمثل في:
- إعداد بيئي يضمن حمايتهم ويؤمن مؤشرات الإجلاء الآمن لهم في أثناء وقوع الكوارث.
- تدريب كوادر متخصصة تشمل العاملين معهم والمحيطين بهم من أهل وجيران وأفراد المجتمع المحلي من المتطوعين على أساليب التعامل والتواصل معهم باختلاف أنواعهم، وعلى طرق تقديم الدعم والمساندة النفسية المناسبة لهم في أسرع وقت ممكن.
- إعداد سجلات بأعداد الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة وفئاتهم وأماكن سكنهم وتعليمهم لسهولة إمكانية التواصل معهم ومتابعتهم.
- تفعيل منتديات للتواصل معهم وفق طبيعة كل فئة منهم وفي ضوء احتياجاتهم.
- إنشاء مراكز ووحدات استشارة ودعم متخصصة ثابتة ومتنقلة والإعلان عن أماكن وجودها وطرق الوصول إليها والتواصل معها والخدمات المنوطة بها.
- التوسع في برامج التوعية المجتمعية عن الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة واحتياجاتهم وطرق التواصل معهم وآداب التعامل معهم وأساليب مساعدتهم.
- تضمين خطط وإجراءات الأمن والسلامة بالبرامج التعليمية والتأهيليه بمدارس ومراكز التربية الخاصة.
- تدريب الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة أنفسهم، كل حسب قدرته وإمكاناته، على العمل متطوعين لتقديم خدمات الدعم والحماية والمساندة لغيرهم من الأطفال في أثناء فترات الأزمات والكوارث.
- وضع وإعداد برامج وخطط متخصصة وشاملة للتعامل المباشر والفعال مع الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة فور التعرض للأزمات والكوارث.
- تضمين ذوي الاحتياجات الخاصة أعضاءً في فرق إعداد خطط التعامل مع الأزمات والكوارث، والأخذ بعين الاعتبار لوجهة نظرهم ورؤيتهم الخاصة واحتياجاتهم الفعلية كما يعبرون عنها بأنفسهم.
