يُهدي الكاتب كتابه إلى أطفاله (روى، روان، روﭺ، وإلى أطفال سورية)، ويبدأ بمقدَّمة موجزة ومركَّزة عن "الفن التربوي" إن جاز التعبير، وكيفية الوصول به إلى مكانته الحقيقية وتحقيق أهدافه المتكاملة، مروراً بدوره في تشكيل الهُويَّة الثقافية للطفل، وفق الأسس التي تؤهِّله لمواجهة التحديات المختلفة. يقول الكاتب: "من الضروري لأي مجتمع من المجتمعات الإنسانية أن يعتبر المشروع التربوي - الثقافي الموجّه إلى الطفل مشروعاً وطنياً متكاملاً من خلال خطط وبرامج تتضافر فيها جهود المعنيين بالمجالات المتعلقة كافة، واستخدام مختلف الوسائط أو الوسائل المتاحة، بهدف توفير الفرص لتشكيل شخصية الطفل تشكيلاً يرقى إلى أهمية المرحلة التي يعيشها، وتنمية قدرات هذه الشخصية بشكل سليم". ذلك بناءً على أهمية الطفولة كأساس متين لحياة الكائن الإنساني، وأكثر مراحلها النمائية تأثيراً في تشكيل معالم شخصيته الأساسية، وبلورة ميولها واتجاهاتها وملامحها كما يذهب إليه مؤلِّف الكتاب.
يحتوي الكتاب عناوين لمباحث عدة، ذات دلالات منسجمة مع مضامينها، استطاعت - هذه المباحث - الإحاطة بكثير من الاستحقاقات المطلوبة، وإيضاح بعض الآراء والفِكَر عن موضوعات أدب الأطفال، والإجابة عن عدد كبير من الأسئلة حولها، حيث تغوص المباحث العشر في ماهية الطفولة، وما يلائمها من توجُّهات تربوية، بل توغل في عالم الطفل من نواحٍ عدة، شارحةً بصورة تفصيلية الأدب الملائم له شعراً ونثراً.
تمثل الأبرز من عناوين الكتاب، وحسب ورودها: الطفولة وخصائصها الأساسية، ويتناول فيها الكاتب سمات الطفولة ومراحلها واحتياجاتها كمرحلة نمائية، والنظرة المتبدلة إليها عبر تطوّر الأزمنة. المبحث الثاني يتناول ثقافة الأطفال وأدبهم بشكل مستفيض، ويوضح مصطلح ثقافة الأطفال ماهيتها وسائطها ومشكلاتها، ثم يشرح الكاتب مفهوم أدب الأطفال وأهدافه، ومراحل هذا الأدب وأشهر كتّابه. المبحث الثالث، وهو أطول مباحث الكتاب، يأتي بعنوان "تاريخ أدب الأطفال، أهمّ مراحله وأشهرُ من كتب لهم" ويتضمَّن جذور هذا الأدب وبداياته وأهم المراحل التي مرَّ بها من خلال سرد تاريخي مترابط بشكل منطقي، ومن ثم نشأة أدب الأطفال العربي وتطوّره وأبرز أعلامه. المبحث الرابع، يتحدث من خلال ثلاثة عناوين رئيسية فرعية، عن خصائص الأدب المقدَّم للأطفال، وحاجتهم الضرورية إلى هذا الأدب وتبيان خصائصه العامة، وخصائص كتّاب الأطفال.
فنون أدب الأطفال
في المبحث الخامس يدخل الكاتب في صلب موضوع الكتاب، وهو فنون أدب الأطفال وخصائصها، ويتناول أهم هذه الفنون:
1- شعر الأطفال بموضوعاته وخصائصه المميزة، حيث يقول الكاتب في تعريفه: "شعر الأطفال هو جنس أدبي فنيّ، يوجَّه إلى جمهور الأطفال خصِّيصاً، وهو يتبوَّأ ريادة فنون الأدب الطفلي، ويعدُ أقربها إلى طبيعتهم وأسبقها وصولاً إلى وجدانهم، وتختلفُ أنواع شعر الأطفال حسب الشكل الفنيّ الذي يتَّخذه".
2- قصص الأطفال.. أهدافها وعناصرها وأنواعها، ويقول فيها: "إن قصة الأطفال أداة تربوية تثقيفية، تُغني خبرات الأطفال وتنمّي مهاراتهم وتكسبهم الاتجاهات المفيدة. وللقصة الطفلية دورٌ مهم في إثراء لغة الطفل والارتقاء بها وتنمية قدراته التعبيرية عن الأفكار والمشاعر، كما تستجيب لميول الطفولة إلى اللعب والحركة، وتوفِّر لها المتعة والترفيه".
3- مسرح الأطفال بنشأته ومميزاته وأنواعه، حيث يتحدث عن خصائص النص المسرحي بقوله: "يقوم النصّ المسرحيّ للأطفال على معايير تربوية وفنية، أهمها: الملاءمة - فكراً وأسلوباً - مع خصوصية المرحلة العمرية المقدَّم لها، والمقدرة التعبيرية عن خصائص الطفولة واحتياجاتها، إضافةً إلى الفكرة البسيطة الواضحة، والموضوع المراعي لبيئة الطفل ومجتمعه.. ومن حيث الأسلوب أن يتمتّع بعناصر الإثارة والتشويق ويكون الحوار رشيقاً لطيفاً، واللغة سهلة موحية".
في المبحث السادس يتناول الكاتب صحافة الأطفال وموضوعاتها، ويستفيض الكاتب في نشأة هذا النوع من الصحافة وأهم خصائصها وفنونها، حيث تجمع بين العلوم والآداب والأشكال الثقافية المختلفة، وتضمُّ باقة من الفنون المتنوّعة، أهمها إلى جانب القصة المكتوبة: القصة المصوَّرة أو السيناريو المصوَّر "الكوميكس"، وهو فنٌّ منتشر في صحافة الأطفال ويحتل جزءاً واسعاً من مساحاتها، والتحقيق الصحفي والحديث الصحفي والمقالة الصحفيّة بأنواعها الثلاثة: النقدية والعلمية والأدبية.
ثم يتناول الكاتب في المبحث السابع طبيعة العلاقة الأزلية بين أدب الأطفال والتراث الشَّعبي، وببيّن فيه بأسلوب رصين موقع التراث الشَّعبي في أدب الأطفال. أما أهم مباحث الكتاب، وهو الثامن، فيتناول موضوعات التربية الأسريّة، متضمِنةً عناوين تتمحور حول مؤسسات التربية وعلاقاتها، مع التركيز على التربية الثقافية والتربية الإبداعية. أما المبحث التاسع، فيتناول القراءة عند الأطفال مع توضيح أساليب تنميتها عندهم، وخصائص الكتب المعنيَّة بهم ومعاييرها الأساسية، وأخيراً في المبحث العاشر، يتناول الكتاب موضوع التربية ووسائل الإعلام، ويبين أثر تلك الوسائل في هذه العملية، ويتخذ التلفاز أنموذجاً من أجل توضيح آرائه وأطروحاته التربوية.
الكتاب من الناحية الفكرية
تعدُ الدراسة بحق دراسة منظَّمة وجادة وذات منهجية وأكاديمية واضحة وتبويب متماسك إلى حد كبير، إذ يتلمَّس القارئ من محتوى الكتاب إطاراً فكرياً على درجة متقدِّمة من النضج والوضوح، ذلك بناءً على ما اشتمل عليه من مفاهيم ومصطلحات وفِكَر وآراء مستلهمة من العلوم المعاصرة، كعلم النفس والاجتماع ورياض الأطفال وتوظيفها، وربطها بمضامين العنوان الرئيسي التي يتناولها الكتاب بشكل جيد وموفق، ثم تسليط الضوء والتركيز على أفكار تربوية مهمة، عبر معظم عناوين المباحث التي تناولها الكاتب مثل: "الطفولة واقعاً" وما أورده من آراء بخصوص أوجه من المناشط تتعامل بها بعض مؤسساتنا التعليمية و(تركيزها على الجانب المعرفي واتسامها بالجمود والتكرار والإنشائية، وما تعمل عليه من توسيع الهوة بين الأطفال وبين ما يجري حولهم، ويقتل بواعث الإبداع فيهم). أو ما كان من تأكيده لندرة الكتابة الجادة الموجَّهة إلى الأطفال، وما من شأن ذلك من تقيد الاستحواذ على عواطفهم وتنمية خبراتهم والارتقاء بوجدانهم. أو على الدور الأساسي للأسرة في المشاركة في بناء تاريخ أدب الأطفال (كجزء من مهام إعدادهم وتنشئتهم بما يتفق مع خصائص هذا الأدب والمعايير التربوية والنفسية والفنية الخاصة بهم، وبخاصة في خضم تبدلات القيم وتطوّرات المعرفة ووسائل الإعلام).
لغة الكتاب
يُلاحظ سلامة اللغة التي استخدمها الكاتب، ووفائه لاستحقاقات العناوين التي أوردها في مباحثه، سواء على صعيد توافر المادة المعرفية الملائمة، أو سهولة نقلها إلى القارئ؛ فاللغة التي استخدمها الكاتب، هي لغة بحثية وجيدة وموضوعية، ولا تنحى منحى الإنشاء والسطحية، وتكاد تخلو من الأغلاط اللغوية والنحوية والإملائية. ويُجدر بالذكر ثراء الإطار المرجعي الذي اعتمده الكاتب والتوثيق الأمين لأصحابه، وتضمين المراجع ضمن الإطار الأكاديمي المتعارف عليه، من حيث مراعاة الأبجدية في ترتيب المراجع والسياق العام للعناصر المشكّلة لكل منها.
من الناحية الفنية
الانطباع الفني العام عن الكتاب هو تمتعه بالمنهجية الواضحة، وتوافر العناصر الأساسية للكتابة من وضوح الهدف وتوفر المادة المعرفية/ المعلوماتية المطلوبة، وملاءمة اللغة المستخدمة، كالمرادفات والمفاهيم والمصطلحات، وأساليب الصياغة القادرة على نقل الوسائل التي أراد الكاتب بيسر وسهولة. ويلاحظ بشكل واضح أيضاً التسلسل المنطقي للحقائق، من العام إلى الخاص، ومن العالم إلى التجارب المحلية، وكذا التبويب باستخدام المنهج التاريخي تارة، والوصفي التحليلي تارة أخرى. مسألة أخرى تُحسب للكتاب، وهي انسجام عنوانه بشكل موفق مع العناوين الرئيسية للمباحث المتضمنة، وما تم التعارف عليه كمصطلح "أدب الأطفال" بالنسبة إلى معظم ما كُتب عن الطفولة وقضاياها المختلفة.
عموماً.. تأتي هذه الدراسة في إطار تقديم صورة واضحة وشاملة عن أدب الأطفال، وأبرز ملامحه وروّاده، من خلال تتبّع مراحل تطوره التاريخية، وتقديم أفكار وأساليب تربوية حديثة، كما يأتي عليه الكاتب في نهاية مقدَّمة كتابه. والعمل في الحقيقة، عملٌ مهم كهدف ومضمون وأساليب متقنة، ويمتلك من القدرة ما يمكن أن يلبي حاجة معرفية/ ثقافية لدى شريحة واسعة من القرّاء، أتمنى كما يتمنى الكاتب أن يكون إضافة جديدة إلى حقل البحوث والدراسات التربوية المختصّة.