يأخذنا النص إلى طرح المشكلة مباشرة؛ وهي مشكلة حدثت داخل محيط الأسرة.. تقول القصة( حينما تحول لون شعر جدتي إلى اللون الفضي، وتساقطت أسنانها حتى صار فمها بلا أسنان؛ بدأت حين تتكلم تضيع منها الكلمات. صارت جدتي تنسى الأسماء).. هنا تضعك القصة أمام المشكلة مباشرةً، ولم تقل عندما كبرت جدتي لكن ببراعة عبرت عن كبر سن الجدة بكلمات ومشاهدات يراها الطفل، فهو لا يعي موضوع كِبر السن، لكن يري المشاهدات التي طرأت على جدته، من تحول لون شعر الجدة إلى اللون الفضي، ويرى أيضًا أن فمها أصبح من دون أسنان. ثم تبدأ المشكلة في التصاعد، فتقول (لم تعد جدتي تنسى الأسماء فقط، لكنها أصبحت أيضًا تنسى أين وضعت مفاتيحها)، وتقدم القصة حلولًا بسيطة تستطيع أن تقوم بها البنت الصغيرة؛ وهي أن تبحث لها عن مفاتيحها تحت "الفوتيه"، وفي روعة وطفولة تبدأ القصة تحريك عالم الطفولة، فتجعل القطة تبحث عن المفاتيح في المزهرية (وتبحث قطتي المشمشية في المزهرية، وأحياناً كنت أبحث في خزانة الملابس، وكنت دائماً أجدها)
مشكلات أخرى
لكن هناك مشكلات أخرى تتعرض لها الجدة؛ وهي ضياع الكلمات ونسيان الأسماء، وهذا ما سوف تقدم له القصة من حلول (المشكلة أنا جدتي تتضايق حين تضيع منها الكلمات خصوصًا أسماء الأشياء التي تريدها، لذلك قررنا أن نساعدها على البحث عن تلك الكلمات).. هنا بداية جميلة؛ وهي التفكير في حل بالبحث عن الكلمات الضائعة من فوق لسان الجدة حين تتكلم.. تقول القصة (عندما تتلعثم جدتي بحثًا عن الكلمة التي ضاعت منها نسرع أنا وأمي لنبحث لها عن تلك الكلمة الضائعة، فحين تبحث في حقيبتها وتقول لا أستطيع أن أجد...لا أستطيع أن أجد، نعرف أنها تبحث عن مفاتيحها، فنقول لها: مفاتيحك؟ فتبتسم، وتقول: نعم. كنا دائماً نجد الكلمة التي ضاعت من جدتي).
وهنا مشهد رائع للبنت وأمها في إيجاد حلول للجدة لإسعادها وردّ الجميل لها، وكذلك مشهد جميل للأم القدوة، المعلمة التي تعلم ابنتها إيجاد حلول للمشاكل التي تحدث داخل الأسرة. وهذا من الجانب التربوي رائع وجميل؛ أن نربي الأطفال على ضرورة وجود الحلول للمشكلات التي تقابلهم، وليس التذمر منها.
ثم تقدم القصة مشهدًا آخر؛ وهو وجود الجدة في أحد المتاجر ونسيانها الشيء الذي تريد أن تشتريه، فتقول الجدة: أريد أن أشتري.... أريد أن أشتري ..... وتحاول توضيح ما تريد أن تشتريه عن طريق لف يدها في الهواء عدة مرات، فتأخذها البنت في جولة في المتجر وتفكر فيما تريده جدتها حتى تعرف أنها مناديل للحمام.

ثم تعود القصة وتأخذنا إلى ملمح جميل؛ وهو تذكر البنت للأيام الجميلة التي كانت جدتها تحكي لها الحكايات، وكانت لا تنسى الأسماء ولا يضيع منها حرف واحد، لتؤكد القصة أن ذلك حدث بسبب التقدم في السن ولم يكن مشكلة مرضية من البداية. وتقول البنت إنها تعلمت من جدتها الكثير والكثير من الكلمات (وكانت جدتي دائمة سعيدة) لذلك كانت البنت تتمنى اصطياد الكلمات الضائعة من جدتها كي تعيدها إليها، لتعود الابتسامة إلى الجدة. لكن الأمر يصعب على البنت؛ فالجدة أصبحت تناديها باسم غير اسمها. وهنا تضعنا القصة في مشكلة أخرى، لذلك تذهب إلى والدها لتسأله، وهذا تصرف رائع حين ترسخ القصة مبدأ استشارة الصغير للكبير عندما يعجز عن الحل.. تقول: (ذهبت إلى والديّ أسألهما: لماذا تضيع الأسماء من جدتي؟) فيرد والدها على سؤالها ويفسر ما يحدث للجدة (فقال لي: كل المخلوقات هكذا كلما تقدمت في السن ضاعت منها أشياء؛ فقطتك المشمشية يضيع لونها البراق، وشجرتك في الحديقة ستتساقط منها الأوراق، والفُوتيه الذي تجلسين عليه ينحل نسيج قماشه ويتمزق، وفستانك الأزرق الفيروزي ستضيع منه الأزرار.. هكذا هي الحياة) وهنا إبداع، ودرس رائع، ونقطة قوية في القصة من تفهيم وتبصير الطفل؛ ليس بطبيعة المشكلة فقط لكن بطبيعة الحياة عامة، وحين فهمت البنت الحكاية وحكاية الحياة قالت: (والآن صار غير مهم عندي أن تناديني جدتي بسعاد أو ياسمين، وحين تضيع منها كلمة أنظر إلى حركة يدها لأعرف الكلمة التي هربت منها، وحين أقول الكلمة التي تريدها تفرح كثيرًا وكنت أفرح لفرحها) .. ببراعة؛ يحوّل الكاتب إيجاد الكلمات الضائعة إلى لعبة التخمين، وهو شيء جميل يحبه الأطفال، فتقول البنت: (تعلمت لعبة التخمين مع جدتي، صرت بارعة فيها، ولم تعد تتضايق حين تضيع منها الكلمات؛ لأنني أحضرها لها بسرعةٍ)
وينهي الكاتب القصة بفقرة رائعة تعبّر فيها البنت عن سعادتها لأنها تساعد جدتها وتحضر لها الكلمات التي ضاعت منها. والجميل أن تعترف البنت بأن الجدة هي التي علمتها وأعطتها الكثير والكثير من الكلمات قبل ذلك. والأروع أيضًا أن البنت تعرف أن هذه الكلمات عندما تقدمها لجدتها لا تنقص من عند البنت، وهذا درس جميل مفاده أن إسعاد الآخرين لن ينقص من سعادتك. وقد عبّر الكاتب عن كل ما سبق بفقرة رائعة أنهى بها قصته، وجاءت على لسان البنت: (أنا سعيدة لأنني أساعد جدتي؛ أحضر لها الكلمات التي ضاعت منها، وأعرف أنها السبب في أنني أعرف هذه الكلمة، فهي التي علمتني وأعطتني الكثير والكثير من الكلمات، وأنا الآن أردها إليها، ولا تنقص من عندي في الوقت نفسه).
هذه القصة تعد من الروائع التي تعرضت لمشكلة مهمة تحدث لكبار السن في الأسرة، وكيف تم اكتشاف المشكلة والتعريف بها وإيجاد بعض الحلول البسيطة لها، ثم إيجاد الحلول الرائعة. كل ذلك من خلال سرد رائع ومشوق، ومن خلال بطلة القصة البنت الصغيرة التي أبدعت القصة في رسم شخصياتها علاوة على الدروس الكثيرة التي احتوتها القصة في ثناياها، وكل ذلك بكلمات بسيطة تناسب المستوى العمري للطفل.
هل تعلم أنّ..
لم تنسَ القصة أن تقدم في نهايتها بعض الأنشطة والمهارات، وبعض النصائح في التعامل مع الأشخاص كثيري النسيان من خلال عنوان "هل تعلم أن" وتبيّن أن الأسلوب الأفضل لمعاملة الأشخاص كثيري النسيان هو:
الإنصات لهم، واستخدام الكلمات اللطيفة والابتعاد عن الكلمات الجارحة التي تجرح مشاعرهم، وخلق بيئة هادئة لهم، وإبعادهم عن الضجيج والتوتر ومساعدتهم عند محاولتهم إيجاد كلمات معينة عن طريق إعطائهم خيارات، أو اقتراح كلمات عليهم، أو إعطائهم ورقة وقلماً لكي يكتبوها.
ما أحوجنا إلى هذا النوع من القصص، الذي ينمي ثقافة الطفل نحو التعايش مع متطلبات الحياة، ويجعل الطفل مؤثراً في محيطه الأسري والاجتماعي.