وتنعقد سلسلة مؤتمرات حوار الأديان بالدوحة كل سنتين بشكل دوري، ويمتد تاريخها لأكثر من عشرين عامًا، ويحضرها أكثر من 300 شخصية من 75 دولة، علاوةً على المشاركين من داخل دولة قطر، وبصفة عامة تعد هذه المؤتمرات الملتقى الدوري الفكريّ والتحاوري بين المفكرين ومُمثِّلي الأديان السماوية، إضافة إلى كوكبة مختارة من علماء الأديان وأساتذة الجامعات ورؤوساء مراكز حوار الأديان من مختلف أنحاء العالم، وهي فرصةٌ عظيمةٌ للتلاقي، وتجاوز التمييز بين بني الإنسان، ورسم معالم الطريق للحياة بمختلف مجالاتها على أسس من القواعد المشتركة بين الأديان، من مُنطلقِ تحمُّلِ المسؤولية، والدورِ الـمُلقَى على عاتقِ المسؤولين من علماء الأديان والمختصين جميعًا؛ لخدمة الإنسان الذي أجله الله وقدّره ورفع شأنه بين مخلوقاته، فضلاً عن إتاحة الفرصة لعرض وجهة نظر المواطن العربي والمسلم تجاه القضايا المطروحة بشكل واضح، من خلال تِبيان رؤية قطرية عربية إسلامية من دون أي تنازل عن المبادئ أو الموالاة على حساب الدين، إضافة إلى شرح مبادئ الإسلام ودعوته إلى الحوار والتسامح.
وتعود أهمية موضوع المؤتمر لما تعانيه الأسرة اليوم في ظل العصر الرقمي من تحديات، سواء كان بصورة مباشرة أو غير مباشرة؛ إذ تعاني الأسرة من المشكلات نفسها التي تعاني منها المجتمعات من أوضاع سياسية واقتصادية صعبة، وغزو ثقافي وفكري، وتغير قيمي واجتماعي، وكل ذلك أثر بدوره في أمن الأسرة والمجتمع ككل، وأضعف تماسكها والتفاعل فيما بين أفرادها، وهذه التحديات المعاصرة تهدد الأطفال بالخطر، وتتفاوت في درجة خطورتها، وآثارها في الوضع الاجتماعي والسلوكي؛ وهذا كله يتطلب من كل مؤسسات المجتمع - ومنها الجامعات - القيام ببذل الجهود لدعم الأسرة، وخصوصًا أن الجامعات تمثل بيوت الخبرة، ومراكز الفكر والتنوير في المجتمعات الإنسانية، سواء من خلال تسليط الضوء على قضايا الأسرة، ومحاولة البحث عن حلول لمشكلاتها.
تضمنت الجلسة الافتتاحية للمؤتمر إعلان أسماء الفائزين بجائزة الدوحة العالمية لحوار الأديان في دورتها الخامسة، لتمنح (للأفراد والمؤسسات الدينية الناشطة في دعم الأسر المتضررة)، وقد تم اختيار الفائزين بالجائزة بناء على إنجازاتهم - أفراداً أو مؤسسات - في دعم الأسر المتضررة، سواء من جراء الفقر أو الكوارث أو الحروب والصراعات أو التشتت واللجوء، وتشرف على الجائزة لجنة تحكيم ذات خبرات متنوعة.
"يجب إدراج الحوار الأسري في البرامج والمناهج التعليمية"

تكريم الفائزين بجائزة الدوحة العالمية لحوار الأديان
ويعود إطلاق جائزة الدوحة العالمية لحوار الأديان إلى عام 2013م، وذلك بهدف دعم وتشجيع جهود ومبادرات وإنجازات الأشخاص والمؤسسات التي لها أثرٌ بارزٌ في تعزيز مبدأ الحوار وترسيخ ثقافة السلام، وهي تُعد المبادرة الفريدة من نوعها في هذا المجال على مستوى العالم، وقد تم منح جوائز الدوحة العالمية لحوار الأديان في دورات أربعة سابقة لعدد من المؤسسات والأفراد حول العالم.
وبصفةٍ عامةٍ؛ يهدف المؤتمر إلى توجيه حوار الأديان نحو دعم وتعزيز القيم الأسرية التي باتت تواجه اليوم تحديات كبيرة في ظلِّ المتغيرات المعاصرة؛ فالقيم الدينية المشتركة بين الأديان السماوية قد كرَّسَت لمفهوم الأسرة، وأسَّسَت لقيم التراحم والتكافل والتعاون بين أفرادها، ورسَّخَت للعلاقة المقدسة بينهم، كما أن المنظومة الأسَرية في الأديان السماوية بينها تشابه كبير، في هُويتها ومفهومها وقيمها ومبادئها، باعتبارها النواة الصلبة المشكِّلة لعُرى المجتمع؛ ما يتطلب البحث عن الحلول وتوفير الدعم لتغطيةِ كل الجوانبِ المتعلقة بقضايا الأسرة وتربية النشء في ظل المتغيرات المعاصرة.
وناقشت الجلسات الافتتاحية والختامية والجلسات العامة والفرعية للمؤتمر، من خلال أوراق بحثية قدمها المشاركون، عدداً من المحاور الهامة حول الأديان وهوية المنظومة الأسرية والدور المركزي للأسرة في التنشئة والتربية وقضايا الأسرة المعاصرة، إضافة إلى دور المؤسسات الرسمية والدينية ومنظمات المجتمع المدني في دعم الأسرة، فضلاً عن موضوع الأسرة والتحديات المعاصرة في المجتمعات متعددة الأديان والثقافات، وكذلك موضوع الأسرة في ظل القوانين الوطنية والدولية بين التأييد والانتقاد.
إضافة نوعية
أشار الأستاذ الدكتور إبراهيم بن صالح النعيمي - رئيس مركز الدوحة لحوار الأديان ووكيل وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي - إلى دور قطر الإيجابي في كل القضايا الإنسانية والوساطة لحل النزاعات، بخاصة أنها بلد متعدد الثقافات عبر الكثير من الجنسيات التي تعيش فيها، أو التي تزورها، أو تشارك في المؤتمرات أو الفعاليات التي تنظمها، الأمر الذي جعل من مؤتمرات حوار الأديان بالدوحة إضافة نوعية إلى تلك الأبعاد الإنسانية.
وشدد البيان الختامي الصادر عن المؤتمر يوم 8 من مايو الماضي، وتلاه الدكتور إبراهيم بن صالح النعيمي، على أن الحفاظ على هيكل المنظومة الأسرية لن يتم إلا بجعل التعاليم والقيم الدينية هادية لمسار الأسرة وموجهة لأفرادها، وبالإعلاء من شأن القيم والأخلاق الفاضلة، والتنويه بدورها وأثرها في توجيه السلوك البشري وتعظيم التماسك الأسري، والتركيز على محورية التربية بوصفها مساراً بالغ الأهمية والحيوية لتحقيق تنشئة سليمة للأجيال الناشئة التي تصنع المستقبل.
ودعا المؤتمر في هذا السياق إلى تفعيل دور الأسرة للقيام بدورها في وقاية أبنائها من الوقوع في الممارسات والسلوكيات الخاطئة أخلاقياً، وتحقيق الوعي الأسري الذاتي لأفراد الأسرة وإعادة هيكلة أدوار الآباء والأمهات وتقسيم وظائفهم، من خلال بناء الروابط العاطفية والاجتماعية فيما بينهم وبين أبنائهم، لخلق فضاء أسري يسوده الوئام، في منأى عن الصراعات والمشاحنات المنفرة لصورة العائلة في أذهان النشء.
ونوه البيان الختامي للمؤتمر بضرورة الاهتمام الوطني المؤسسي الرسمي بالخدمة الاجتماعية الأسرية، وتحديداً بالحالات الأسرية ذات الهشاشة، وتعميق الفهم بدورها، ليس فقط في تقديم الدعم المادي للأسر الهشة أو الفقيرة، وإنما في تزويدها بالمعارف النافعة التي تمكنها من مجابهة النوازل والمشكلات والتحديات التي تواجهها.
كما أكد ضرورة تبني ومساندة المبادرات المؤسسية التطوعية المدنية والفردية، وإطلاق المشروعات التوجيهية الهادفة لحماية وصون الأسرة وتقوية أركانها، وإدراج الحوار الأسري في البرامج والمناهج التعليمية، وتخصيصه بدراسات مستقلة وبحوث متخصصة في مختلف المراكز والمؤسسات التعليمية نظرياً من خلال التأسيس له، وعملياً من خلال استضافة أسر لتنمية ثقافة الحوار لديها.
"يجب على الجامعات القيام بدورها في دعم الأسرة
وتـحـصـيـنـهـا مـن الأفـكـار والفـلسـفات المضـللة"
مشاركة ممثلي الديانات السماوية الثلاث
(الإسلام والمسيحية واليهودية)
قواسم مشتركة
كما أكدت توصيات المؤتمر القواسم الدينية المشتركة في الأديان السماوية، وتوضيح مقاصدها السامية من أجل تحصين الأسرة بمفهومها الدقيق وهيكل بنائها ومكانتها ومسؤوليتها، وتأثيرها في التنمية والنهضة للمجتمعات والأوطان، ومن ثم الحفاظ عليها من التدخلات الخارجية والأفكار الهدامة الرامية لزعزعة الدور المركزي للأسرة.
كما تم التأكيد على دور المؤسسات الدينية في دعم الأسرة وحمايتها، وتحقيق استقرارها والاهتمام بالشؤون الأسرية كافة، ومعالجة المشكلات ودرء خطر التفكك الذي يستهدف تماسك الأسرة، إضافة إلى تقديم رؤى وتصورات واقعية ملموسة لتفعيل هذا الدور.
ونوه البيان الختامي للمؤتمر بدور المؤسسات التعليمية، وبخاصة الجامعات، في دعم الأسرة وتحصينها من الأفكار والفلسفات التي تفتك بالمجتمعات والحضارات، بل بالإنسانية جمعاء، سواء من خلال المناهج الدراسية بطرح مقررات ومناهج تسهم في تشكل وعي الطلاب، أو بإجراء الدراسات والبحوث العلمية لدراسة كل قضايا الأسرة.
وشدد البيان على ضرورة تحقيق الشراكة بين مختلف الجهات ذات العلاقة بالأسرة والمجتمع، وإيجاد طرق علمية لبحث ومناقشة القضايا التي تشغل المجتمع والأسرة، إضافة إلى تفعيل أدوار الأسرة من خلال برامج جاذبة يتم خلالها تصميم البرامج التدريبية لأولياء الأمور لمساعدتهم على معالجة تحديات العصر التي تعيق الحفاظ على الهوية الأسرية وتهدد تماسكها.
"وسائل الإعلام مسؤولة عن نشر الوعي المجتمعي
بـأهـمـيـة الـحـفـاظ عـلــى الـمـنــظــومـة الأســريــة"
افتتاح الشيخة لولوة بنت راشد محمد الخاطر وزيرة الدولة للتعاون الدولي معرضاً،
على هامش المؤتمر لإصدارات جميع المراكز البحثية العاملة في مجال الأسرة
ودعا البيان الختامي الصادر عن المؤتمر المؤسسات الإعلامية الرسمية إلى ضرورة تعزيز دورها ضمن نطاق المسؤولية الاجتماعية، وتبنّي وسائل الإعلام حملات توعوية لنشر الوعي المجتمعي بأهمية الحفاظ على المنظومة الأسرية والترابط الأسري، وتوضيح خطورة الأفكار الهادمة للبناء الأسري القويم وتماسكه، والدعوة إلى ضرورة التمسك بالقيم الدينية والأخلاقية، وإظهار مكانة الأسرة وأهمية الحفاظ على تماسكها وأهميتها لتماسك المجتمعات والأوطان.
وحذر البيان بشدة من مخاطر الحروب والنزاعات على الأسرة، وبخاصة الأطفال والنساء وكبار السن وذوي الإعاقة، ومن الانتهاكات الحقوقية التي تعصف بهم خلال هذه الحروب وتفاقم الوضع الإنساني لهم؛ ما يفرض على المجتمع الدولي تفعيل القوانين الدولية التي تجرم وتعاقب مرتكبي هذه الانتهاكات، والتحرك الجاد والسريع لإنهاء النزاعات المسلحة وتوفير المساعدات الإنسانية العاجلة للأسر والمدنيين.
كما أوضح البيان الختامي للمؤتمر ضرورة تخصيص أسر الأقليات بالدراسة الموضوعية المعمقة للتحديات التي تواجهها، سواء كانت تحديات في الهوية أو الاندماج والتعايش مع الثقافة المغايرة والاختلافات الدينية، وتفعيل دورها واندماجها الواعي في المجتمعات التي تعيش فيها.
"فـي الـحــروب والـنـزاعــات تُـنـتـهــك حـقــوق الأطـفــال والـنـســاء وكـبــار الـسـن
وذوي الإعاقة، وعلى المجتمع الدولي تطبيق القوانين المجرّمة لهذه الانتهاكات"

مشاركة الأسقف يوجين مارتن ممثل الفاتيكان
والدكتور نايك زاكر الداعية الإسلامي الشهير بجلسات المؤتمر
نجاح كبيرنجح مؤتمر الدوحة العالمي لحوار الأديان بصورة كبيرة في طرح حلول ورؤى لتعزيز ودعم الأسرة تجاه ما تعانيه من تحديات، وذلك اعتمادًا على مقاربات تكاملية بين العلماء والباحثين من مختلف التخصصات، إلى جانب تسليط المؤتمر الضوء على المشكلات والقضايا المستجدة، وإسهامه في نشر الوعي بها، والتقارب بين الباحثين والعلماء والمفكرين من مختلف الدول والتخصصات، إلى جانب كون المؤتمر نافذة يتعرف منها العالم إلى آراء ووجهات نظر المفكرين والباحثين العرب، وكسر الصورة النمطية للإنسان العربي لدي الآخر التي تروّج لها بعض وسائل الإعلام. ومن ناحية أخرى أكد المؤتمر أهمية التمسك بالقيم والعادات العربية والإسلامية الأصيلة، إضافةً إلى مواكبة التغيرات المعاصرة، والتعايش معها والجمع بين التراث والحداثة في آنٍ واحد.
للمزيد عن المؤتمر اضغط هنا