فــي تـقـريـر "يـونيـسيـف" عـن حـالـتـهـم لـعـام 2024:
كيف نصنع مستقبلاً تتحقق فيه حقوق أطفال العالم؟

الملخص:تصدر منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف) سلسلة من التقارير السنوية حول حال الطفولة والأطفال بداية من عام 1980م ، تهدف منها إلى رصد شامل لأوضاع الأطفال على المستوى العالمي، وتحليل قضايا ومشكلات الطفولة، بهدف توفير البيانات والمعلومات للدول، والحكومات، والمسئولين والباحثين من مختلف أنحاء العالم.
وقد سعى تقرير "حال أطفال العالم 2024: مستقبل الطفولة في عالم متغير"، إلى تسليط الضوء على ثلاث قوى عالمية رئيسة تؤثر في حياة الأطفال، وهي: التحولات الديمغرافية، وأزمة المناخ، والتقنيات المتطورة، مع استعراض ما ينبغي أن يضعه قادة العالم في الحسبان أثناء تخطيطهم للمستقبل.
ويكتسب التقرير أهميةً خاصة، نظرًا لتزايد وطأة تلك التحديات والتغيرات الكبرى التي تواجه العالم على نحوٍ متزايدٍ، ما بين تحدياتٍ تقنيةٍ، وجيوسياسيةً، واجتماعيةٍ، وثقافيةٍ، ومناخيةٍ، وتصاعد أحداث والصراع في مناطق مختلفة في العالم. وبشكل عامٍ يسعى التقرير إلى الإجابة عن السؤال المطروح بقوة: كيف يمكننا تأمين مستقبل تتحقق فيه حقوق جميع الأطفال — عالم يحيا فيه جميع الأطفال ويزدهرون ويحققون إمكاناتهم بالكامل؟
المقال كاملاً
تصدر منظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونيسيف" UNICEF سلسلة من التقارير السنوية حول حال الطفولة والأطفال على المستوى العالمي، ورصد وتحليل قضايا ومشكلات الطفولة، بهدف توفير البيانات والمعلومات للدول والحكومات والمسئولين والباحثين من مختلف أنحاء العالم. وقد رصد تقرير المنظمة الصادر في عام 2023م تعرض حقوق الأطفال لاعتداءات في جميع أنحاء العالم، ومعاناة الأطفال الذين يعيشون في مناطق النزاع، والذين يزيد عددهم على 450 مليون طفل، وانتهاك حقوقهم أو حرمانهم منها. ومما يزيد من سوء الأمر أن نزاعات جديدة وأخرى ممتدة منذ مدة طويلة تزامنت في عام 2023 مع أزمات وكوارث وحالات طارئة في الصحة العامة. كما يستمر تغير المناخ في التسبب بالدمار لهذه الأرواح اليافعة، إذ يؤدي إلى حالات جفاف شديدة وموجات حر وعواصف أكثر حدّة.
الاتـجـاهـات الـديـمـوغـرافـيـة سـتـشـكـل
اليوم أنماط السكان في المستقبل إليه
ويكتسب تقرير عام 2024 أهمية خاصة، نظرًا لتزايد وطأة تلك التحديات والتغيرات الكبرى التي تواجه العالم على نحو متزايد، ما بين تحديات تقنية، وجيوسياسية، واجتماعية وثقافية، ومناخية، وتصاعد أحداث الحروب والصراع في مناطق مختلفة في العالم.
يهدف تقرير حالة أطفال العالم لعام 2024 إلى عام 2050 إلى الإجابة عن السؤال المطروح بقوة: كيف يمكننا تأمين مستقبل تتحقق فيه حقوق جميع الأطفال، وعالم يحيا فيه جميع الأطفال ويزدهرون ويحققون إمكاناتهم بالكامل؟
ويتضمّن تقرير "حالة أطفال العالم لعام 2024: مستقبل الطفولة في عالم متغيّر" توقعات حول الكيفية التي ستؤثر فيها ثلاث قوى عالمية رئيسية — أو توجهات كبرى — في حياة الأطفال بحلول عام 2050 وبعده. وتوفّر هذه التوجهات الكبرى — وهي التحول الديمغرافي، والأزمات المناخية والبيئية، والتقانات الرائدة — إشارات رئيسية حول التحديات والفرص التي قد يواجهها الأطفال في المستقبل.
ويرى التقرير أن الاتجاهات الديموغرافية ستشكل اليوم أنماط السكان في المستقبل. وسيحدد الكربون الذي نسكبه اليوم بغزارة في الغلاف الجوي معالم مناخ الغد. وستؤثر التقنيات التي نطورها ونتحكم فيها اليوم على طرق تعلم الأجيال المقبلة وعملها وتواصلها وأيضاً في صحة وعافية الأطفال لسنوات طويلة.
ويتوقّع معدو التقرير أن يجابه الأطفال مستقبلاً يحفل بالتحديات بحلول عام 2050، في عالم تستشري فيه الأزمات المناخية الشديدة والتغيّرات السكانية وأوجه التفاوت في التقنيات الحديثة، وستكون الطفولة على المحكّ، إلا إذا اتُخذت إجراءات مستعجلة لحماية مستقبل الأطفال في العالم.
وقد تناول هذا التقرير الذي يقع في 70 صفحة العوامل الثلاثة السابقة وتداعياتها على النحو الآتي:
أولاً: الأزمات المناخية والبيئية والطفولة
يعاني الأطفال من عدد كبير من الأزمات، من الصدمات المناخية إلى الأخطار على شبكة الإنترنت، ومن المتوقع أن تشتدّ هذه الأزمات والأخطار في السنوات المقبلة. وتُظهر التوقعات الواردة في هذا التقرير أنَّ القرارات التي يتخذها قادة العالم اليوم — أو يخفقون في اتخاذها — ستحدِّد طبيعة العالم الذي سيرثه أطفالنا. وتتطلب إقامة مستقبل أفضل في عام 2050 أكثر من مجرد التخيّل:

إذ تتطلب العمل. وقد بات التقدّم الذي تحقق على مرّ عقود، خصوصاً للبنات، مهدداً".
إنَّ أزمة المناخ هي أزمة رهيبة حالياً، إذ كان عام 2023 هو العام الأكثر سخونة؛ فوفقاً للتقرير، من المتوقع أن تصير الأزمات المناخية والبيئية في العقد 2050–2059 أكثر اتساعاً، وسيزداد عدد الأطفال المعرضين لموجات الحَرّ الشديد بمقدار ثمانية أضعاف، كما سيزداد عدد الأطفال المعرضين للفيضانات النهرية الشديدة بثلاثة أضعاف، وسيزداد عدد الأطفال المعرضين لخطر حرائق الغابات الشديدة بمقدار الضعفين، وذلك بالمقارنة مع العقد الأول من هذا القرن.
وستتحدد كيفية تأثير هذه المخاطر المناخية في الأطفال حسب أعمارهم، وأوضاعهم الصحية، وظروفهم الاجتماعية والاقتصادية، وقدرتهم على الوصول إلى الموارد. فمثلاً، تتوافر فرصة أفضل للنجاة من الصدمات المناخية للطفل الذي تتاح له إمكانية الوصول إلى مأوى قادر على تحمل الظروف المناخية، وللتبريد، والرعاية الصحية، والتعليم، والمياه النظيفة — بالمقارنة مع الطفل الذي لا تتاح له هذه الإمكانيات. ويؤكد التقرير الحاجة الملحة للقيام بإجراءات بيئية موجّهة لحماية جميع الأطفال وللحدّ من الأخطار التي يواجهونها.
ثانياً: التحولات الديموغرافية والطفولة
هناك مجموعة من العوامل المرتبطة بالسكان، والتغيرات السكانية (الديموغرافية) والتي تنعكس بصورة أو بأخرى على الطفولة، فعلى سبيل المثال – لا الحصر: من المتوقع أن تضمّ منطقة أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى ومنطقة جنوب آسيا أكبر تعداد سكاني من الأطفال في العقد الذي يبدأ بعام 2050، كما تشير التوقعات إلى ازدياد معدلات السكان المسنين، إذ من المتوقع أن يتناقص عدد الأطفال في جميع مناطق العالم. وبينما ستظل نسبة الأطفال من مجموع السكان عالية في أفريقيا، ستنخفض إلى أقل من 40 بالمئة، ما يمثل تراجعاً عن نسبة الـ 50 بالمئة التي سجلتها القارة في العقد الذي يبدأ بعام 2000. وستنخفض النسبة إلى أقل من 17 بالمئة في شرق آسيا وأوروبا الغربية، حيث شكّل الأطفال نسبة 29 بالمئة و20 بالمئة، على التوالي، في العقد الذي يبدأ بعام 2000.
وستخلق هذه التحوّلات الديمغرافية صعوبات، حيث ستواجه بعض البلدان ضغوطاً لتوسيع الخدمات لأعداد كبيرة من الأطفال، بينما ستسعى بلدان أخرى إلى تحقيق توازن بين الخدمات المخصصة للأطفال وبين احتياجات العدد المتزايد من المسنين.
سوف يجابه الأطفال مستقبلاً يحفل بالتحديات بحلول عام 2050 
ثالثاً: التطورات التقنية والطفولة
يقرّ التقرير بأنَّ التقنيات الرائدة — كالذكاء الاصطناعي — تنطوي على وعود وعلى مخاطر للأطفال، فهم بدؤوا فعلاً التعامل مع الذكاء الاصطناعي المُدمج في التطبيقات الرقمية، والدُمى، وبرامج المساعدة الافتراضية، والألعاب الرقمية، وبرامج الحاسوب التعليمية. بيد أنَّ الفجوة الرقمية تظل كبيرة. ففي عام 2024، كان أكثر من 95 بالمئة من السكان في البلدان المرتفعة الدخل على اتصال بالإنترنت، بالمقارنة مع نحو 26 بالمئة من السكان في البلدان المنخفضة الدخل.
ويشير التقرير إلى أنَّ نسبة كبيرة من الشباب في البلدان المنخفضة الدخل والبلدان المتوسطة الدخل يواجهون صعوبة في الحصول على المهارات الرقمية، وسيؤثر ذلك في قدرتهم على استخدام الأدوات الرقمية استخداماً فعالاً ومسؤولاً في التعلّم وفي أماكن العمل. وغالباً ما ترتبط هذه العوائق بالظروف الاجتماعية والاقتصادية، والجندر (الجنس)، والخصائص اللغوية، وإمكانية الحصول على تلك المهارات.
أخبار طيّبة
يتضمن التقرير بعض الأخبار الطيبة؛ فمن المنتظر أن يزداد العمر المتوقع عند الولادة، ومن المتوقع أيضاً أن تستمر المكتسبات التي تحققت على امتداد السنوات الـ 100 الماضية في إمكانية حصول الأطفال على التعليم، ومن المتوقع أن يكون زهاء 96 بالمئة من الأطفال في العالم حاصلين على التعليم الابتدائي على الأقل في العقد الذي يبدأ بعام 2050، مرتفعاً عن نسبة 80 بالمئة المسجلة في العقد الذي يبدأ بعام 2000. وبالمثل، ومع تخصيص المزيد من الاستثمار في التعليم والصحة العامة وفرض إجراءات حماية بيئية أكثر حزماً، يفيد التقرير بأنَّ النتائج للأطفال سوف تتحسن كثيراً. فمثلاً، ستضيق الفجوة بين الجنسين في الحصول على التعليم، وسيتقلص التعرّض للأخطار البيئية.
توصيات التقرير:
يؤكد تقرير "حالة أطفال العالم لعام 2024 أهمية وضع حقوق الأطفال في مركز الاهتمام في جميع الاستراتيجيات والسياسات والأنشطة، حسبما تُحدِّد اتفاقية حقوق الطفل الصادرة عن الأمم المتحدة. ويدعو التقرير إلى التصدي للتحديات والاستفادة من الفرص التي تنشأ عن التوجهات الثلاثة الكبرى المذكورة، وذلك من خلال الإجراءات الآتية:
- الاستثمار في التعليم والخدمات وفي مدن مستدامة قادرة على التحمل من أجل الأطفال.
- توسيع الهياكل الأساسية والتقنيات والخدمات الأساسية وأنظمة الدعم الاجتماعي القادرة على تحمل الظروف المناخية.
- توفير الربط بالإنترنت والتصميمات التقنية الآمنة لجميع الأطفال.
زيادة في معدلات السكان المسنين في عام 2050 وتناقص عدد الأطفال

كيف نستفيد من هذا التقرير في العالم العربي؟
لا شك في أن هذا التقرير يأتي وسط أحداث عالمية شديدة الوطء ما بين التطورات تكنولوجية وتقنية تلقي بظلالها وتحدياتها على الطفولة والقائمين على رعايتها في شتى أنحاء العالم، وتحديات مرتبطة بأزمة المناخ وآثارها السلبية في الأطفال، خصوصًا في الدول الفقيرة والمهمشة والتي يقع جزء من بلاد العالم العربي في نطاقها، ولاسيما الدول التي تعاني إلى جانب الأوضاع الاقتصادية الحروب والصراعات، وهذا يضاعف تأثير وحدة مشكلة التغير المناخي في الأسر في تلك البلدان، كما تأتي التغيرات الديموغرافية والسكانية لتلقي بظلالها على الطفولة في الأسر الفقيرة والمهمشة.
من هنا تأتي أهمية تبني توصيات ذلك التقرير والجوانب التي أشار إليها في معالجة الآثار السلبية لتلك العوامل، ويمكن لصناع القرار والسياسيين والأكاديميين في بلدان العالم العربي تبني الإجراءات الآتية:
- تسليط الضوء على قضايا المناخ، والبيئة، والتقنية، والعوامل السكانية وتناولها بالدراسة والتحليل، سواء على مستوى العالم العربي ككل من خلال العمل المشترك، أو لكل بلد عربي بمفرده لتحديد آثار وتداعيات تلك القضايا الإيجابية والسلبية، ووضع سيناريوهات للتعامل مع تداعياتها، واستشراف المستقبل، وتبني الرؤى والسياسات على ضوء ذلك.
- الاستثمار في التعليم، والخدمات المقدمة للأطفال لخلق مواطن واعٍ بيئياً وتكنولوجيا يستطيع التعامل مع التحديات الراهنة، والمشاركة في مواجهة أزمات البيئة والمناخ والتحديات السكانية، وتداعيات التطور التقني والتكنولوجي.
- إتاحة الإنترنت لجميع الأطفال من كل طبقات المجتمع؛ لأنه صار ضرورة لا غنى عنها في التعليم والتعامل مع كل ما هو جديد، وتنمية الوعي.
يؤكد التقرير على أهمية وضع حقوق الأطفال في مركز الاهتمام
فـي جـمـيــع الاســتـراتـيـجــيـات والـســيـاســات والأنـشــطـة

- التركيز على تنمية مهارات الطفل التقنية ليكون مواطنًا رقميًا يستطيع التعامل والحفاظ على هويته القومية والعربية، ويحافظ في الوقت نفس الحفاظ على انتمائه للعالم بوصفه مواطناً عالمياً، والتوازن بين البعدين المحلي والعالمي.
- التوعية بقضايا المناخ والتقنية والأزمة السكانية خلال مراحل التعليم، لتوعية الأطفال بدورهم تجاه التحديات التي تواجه البشرية جمعاء.
- تطوير أنظمة الدعم الاجتماعي لأسر الأطفال الفقيرة والمهمشة لتحقيق العدالة والإنصاف.
- التركيز على بعد الاستدامة عند إنشاء المدن وتخطيطها، وإتاحة الخدمات للجميع.