تشير الغيرة في مرحلة الطفولة إلى حالة ذاتية تسبب الشعور بالإحباط. يمكن أن يؤثر هذا الشعور في الإنسان وكذلك في الحيوانات الأليفة. يشعر الفرد الغيور بنقص التواصل مع غيره.
ويقال إن الطفل يشعر بالغيرة عندما يتبنى سلوكًا طفوليًا لجذب الانتباه، بعد وصول أخ أو أخت جديدة إلى الأسرة. ويمكن للطفل الانتقال بسرعة كبيرة من حالة الإثارة الكبيرة أو الفخر، إلى الغيرة أو الحزن أو الاستياء. وفي حالة الأطفال، يمكن أن يكون الحسد والاستياء قويين جدًا؛ بسبب إدراكهم المشوه للواقع، ويمكن أن يكون له في النهاية عواقب وخيمة.
تبدأ مشاعر الغيرة لدى الطفل عندما يدرك أن عليه مشاركة ما يحبه أو يثمنه مع غيره، أو عندما يُنتزع منه ما يرتبط به، فيبدأ الأمر مع والده، إذا أدرك الطفل أنه ينافسه في والدته، ثم ينتقل إلى كل من يحاول حرمانه أو انتزاع والدته منه، التي تشكل بالنسبة إليه واحة الأمن والأمان. ثم يزداد سعير مشاعر الغيرة لدى الطفل مع وصول إخوته وأخواته لاحقًا، ومع أصدقائه الصغار الذين لديهم ألعاب أخرى أفضل من ألعابه. ويمكن ملاحظة مشاعر الغيرة لدى الأطفال منذ الطفولة المبكرة، وهي شعور يمكن لأي شخص أن يحس به، سواء كان طفلاً أو مراهقًا أو بالغًا، إذا تعرض لموقف يهدده مكانته أو حاجاته.
الغيور شخص انفرادي ومطلق لا يقبل المشاركة؛ فالطفل الصغير يعتبر أباه وإخوته "مُغتصبين" لأنهم يحرمونه من الجزء العاطفي الذي تمنحه أمه إياهم، وهو ما يثير لديه عنصراً أساسياً من عناصر تكوين العدوانية تجاههم. وهذا العدوان والكراهية يؤديان أحياناً إلى وقائع مأساوية. فقد فقأ طفل عمره سنتان عيني أخيه الصغير؛ كما انهال طفل ثانٍ بالضرب على أخيه الأصغر إلى حد الموت، بينما قام طفل ثالث بسلوك رمزي ألقى خلاله دمية دب أخيه في النار. إن هذه الأحداث تقع من حين لآخر، وهذا ما يجعل العديد من الآباء والأمهات يواجهون أحياناً غيرة طفلهما، الذي يوجه غيرته نحو رفيقه أو أخيه أو أخته أو حتى تجاه الوالد الآخر. وهذا ما يدعو إلى معرفة كيفية التعامل مع مواقف الغيرة الملتهبة أحياناً لدى الأطفال.
يشعر الطفل بالغيرة عندما يتبنى سلوكاً طفولياً، يدفعه إلى النكوص، فيلجأ مثلاً إلى التبول اللاإرادي أو الرغبة في لبس "الحفاظات" بعد أن كان قد استبعدها من قبل، أو التحدث مثل الطفل، وما إلى ذلك. إنه يقوم بذلك لجذب الانتباه بعد ولادة جديدة، أو ظهور زوج جديد يمكن أن يعرض مكانته للإهمال أو الاستبدال، أو حين يرى أفراد الأسرة أو غيرهم يتوجهون إلى المولود الجديد أكثر ما يتوجهون إليه ويهتمون به.
يعتقد الطفل الصغير أنه مركز الكون، ويعتبر أن الأفراد المحيطين به وُجدوا لخدمته، وأن كل ما يوجد في البيت من أشياء وأدوات هي لخدمته. يحدث ذلك للطفل قبل أن يتحرر من الأنانية Egocentrisme والتفكير الذاتي الذي لا ينظر إلى الأشياء نظرة موضوعية ومستقلة، فهو يربط الأشياء به. ولعل أفضل مثال على ذلك، رسوم الأطفال، إذ كثيراً ما تبين التمركز حول الذات، عندما يرسم طفلٌ منزلاً تبدو من خلاله الأدوات التي يستعملها في حجرته واضحة.
- الغيرة تعتبر مظهراً من مظاهر نمو شخصية الطفل وتطورها
- امنح طفلك الغيور الحب والاهتمام وخصص له وقتاً تقضيه معه
شعور فطري أم مكتسب؟
اختلف الباحثون في أصل الغيرة، وما إذا كانت شعوراً فطرياً أم مكتسباً. فهي بالنسبة إلى بعض المؤلفين شعور فطري وعالمي عام. بينما يرى فيها آخرون مثل عالم النفس أوتو كلينبرج Otto Klineberg (1899 – 1992) أنها شعور ذو أصل ثقافي. وبعيدًا عن أن تكون الغيرة خطأ، يمكن أن تكون مرحلة هيكلية من التطور تبنى شخصية الطفل خلالها. وعلى الرغم من أنها قد تؤدي إلى سلوكيات مزعجة، فإنها شعور طبيعي تمامًا، وحتى لو لم تكن سلوكاً منتظماً لدى الأطفال. ولما كانت الطريقة التي ينظر بها الطفل إلى العالم، حيث يرى كل شيء يدور حوله وحول رغباته وحاجاته، فإنه يصعب عليه فهم احتياجات الآخرين.
تتميز السنتان الأوليان من حياة الطفل بعدم تمييز ذاته عن العالم الخارجي، لذلك فإنه يعيش تمركزاً كلياً حول ذاته. وبعد سنتين إلى ست سنوات تصبح أنانيته ذات طابع عقلاني. خلال هذه المرحلة يميز بين ذاته وبين محيطه بشكل تدريجي، غير أن تفكيره ما يزال بالدرجة الأولى متمركزاً حول ذاته، ويحول الطابع الأناني للشخصية دون مبادلة العواطف وتكوين الصداقات المنسجمة مع الآخرين .
مثيرات الغيرة
هناك العديد من المواقف التي يمكن أن تؤدي إلى استثارة الغيرة لدى الطفل، مثل قدوم مولود جديد، أو التنافس بين الأشقاء، أو المقارنة بين الأصدقاء، أو وصول شريك جديد بعد انفصال الأبوين، إلخ. وعلى كل حال، فإن الغيرة تعتبر وسيلة الطفل للتعبير عن مضايقته ومعاناته وعدم ارتياحه، بخاصة عند ولادة أخ أو أخت صغيرة، لأنه يشعر بالإقصاء، أو يخشى ألا يكون لدى أمه أو من يقوم مقامها ما يكفي من الحب له وللطفل الجديد. ومما يزيد في تغذية مشاعر الغيرة، أن بعض الزائرين يقومون أحيانًا بإحضار هدايا للمولود الجديد على مرأى ومسمع الطفل الأكبر. ولأن الطفل الصغير لا يستطيع بعد التعبير عن رغباته وحاجاته، فلا نستغرب قيامه بكسر ألعاب أحد إخوته أو أصدقائه للتعبير عن غيرته أو حاجاته. وبعيداً عن اعتبار الغيرة سلوكاً غير طبيعي لدى الطفل، فإنها تعتبر مظهراً من مظاهر نمو شخصيته وتطورها.
الغيرة بين الإخوة
تظهر الغيرة لدى الطفل عندما يدرك أن عليه مشاركة حب أمه مع غيره. لذلك يبدأ الأمر مع والده، ثم يزداد مع وصول إخوته وأخواته، ولاحقًا، مع أقرانه الصغار الذين لديهم ألعاب أفضل من العابه.
تؤدي المقارنة بين الأبناء التي يقوم بها بعض الآباء أو إعطاء أجدهم أهمية أكبر على حساب الآخر، إلى خلق التنافس بين الإخوة والأخوات والرفع من مستوى الغيرة بينهم. ولذلك من الأفضل تجنب عبارات مثل "خذ قدوة من أخيك" أو "افعل مثل أختك"؛ فكل طفل فريد من نوعه، وله نقاط قوته ونقاط ضعفه. لهذا يجب على الأبوين تعويد الطفل أن يفرح من أجل الآخرين، بخاصة إخوته وأخواته بدلاً من المقارنة بينهم التي لا تؤدي إلا إلى المزيد من الصراع وإثارة الحسد والبغضاء. ولنا في قصة النبي يوسف عليه السلام الواردة في القرآن الكريم عبرة وحكمة كبيرة.
والواقع أنه كثيراً ما تكون لدى الأطفال الأقرب في العمر احتياجات مماثلة ينبغي الاهتمام بها جميعاً. لذلك فإنهم يتجادلون أكثر، لأنهم غالباً ما يريدون الشيء نفسه، وينتظرون إشباع حاجات مشابهة.
كيفية نتعامل مع الطفل الغيور؟
يحتاج الطفل الغيور إلى قضاء وقت ممتع مع والديه، ليطمئن، ويشعر بحبهما واهتمامهما. ويلاحظ أن الطفل الأكبر سناً قد تظهر عليه الغيرة أو تعاوده، عندما يصل إلى مرحلة جديدة في حياته. وبالرغم من أنها يمكن أن تؤدي إلى ظروف مزعجة، فإنه ينبغي اعتبارها شعوراً طبيعياً، غالباً ما يلازم نموه وتطوره تمامًا. المهم في الأمر أن الطفل الغيور يحتاج إلى الاطمئنان والتأكد من أنه موضوع حب وعناية من والديه. لهذا فإن أفضل طريقة للتقليل من مشاعر الغيرة لديه، هي منحه الحب، والاهتمام، ومنحه وقتاً خاصاً لممارسة بعض الأنشطة معه، فهذا يقلل لديه تهديد الآخرين، والميل إلى تقليل مشاعر الغيرة. وكلما جاء مولود جديد إلى الأسرة كان على الأبوين المبادرة إلى طمأنة الطفل حول المكانة التي يشغلها في حياتهما. عليهما أن يشرحا له أنهما ما يزالان على عهد حبهما له، والحفاظ على مكانته. وإذا كان الطفل ما يزال يحتاج إلى مزيد من الرعاية، فلا بأس من إشراكه وإدخاله في عملية رعاية المولود الجديد، حتى يشعر بالفخر والفائدة. وعلى الأبوين أن يخصصا لكل طفل بعض الوقت يقضيانه معه، حتى يشعر كل واحد منهم بأنه مُميز بالنسبة إلى والديه. وعند إحضار الزائرين هدية للمولود الجديد، فإنه من المستحسن التفكير أيضاً في الطفل الكبير .
وفي جميع الحالات، ينبغي عدم معاقبة الطفل على نوبات الغيرة؛ فقد يؤدي ذلك إلى تفاقم الوضع، حيث إن وصول طفل جديد أو التنافس بين الأشقاء يعتبر شيئاً طبيعياً يمكن أن يسبب الغيرة. وإخبار الطفل بحبه والتحدث عما يشعر به، هي السبيل الأقوم للتقليل من الغيرة لديه.

في معنى الغيرة
معنى الغيرة لغةً: هي من مصدر القول "غار الرجل على أهله والمرأة على بعلها تغار غيرة، والغيرة هي الحمية والأنفة.
وعن معنى الغيرة اصطلاحاً: قال الجرجاني: "الغيرة: كراهة شركة الغير في حقه". وقال السيوطي: هي ثوران الغضب حماية عن الحُرم" .
أما مفهوم الغيرة Jalousie في اللغة الفرنسية فهو مشتق من الكلمة الإغريقية Zelos التي تفيد معنى المحاكاة émulation بينا يشير المفهوم السيكولوجي للغيرة إلى الخوف من الحرمان أو انتزاع ما نرتبط به أو نثمنه كثيراً، بما فيه حب شخص أو قوته.