وفي المدرسة رسم الطلاب والأساتذة الكبار، فكانت مكافأة الطالب النابغة مجلة حائط تزين الفناء الواسع وتحمل رسوم وتوقيع إيهاب شاكر المميز. يراقب الأب لوحات الصغير، ويُلحقه بمرسم الفنان الإيطالى كارلو مينوتي.. هناك أمسك الفتى إيهاب بالفرشاة والألوان الزيتية وموسيقى العازف في الحجره المجاورة؛ موسيقى كلاسيكية يدندن معها على توال الرسم وسط دهشة الفنان الإيطالى الذي نصحة باستكمال تعليمه. وعندما يعود إلى منزله تستقبل الأسرة عائلة الجار الذي جاء بآلة سينمائية تعرض أفلام شارلي شابلن الساخرة. يتشكل وجدان الفتى الصغير ما بين الرسم والموسيقى وعشق مجلات الأطفال أعلى الرف الخشبي، والتي تناثرت على مكتب الوالد، وسخرية شابلن الناقدة. يدرك أن القدر يدخر له شيئاً ما.
أنهى الطالب دراسته الثانوية، والتحق بكلية الطب؛ رغبة والده الأولى، ولكن أنامله تأبى مسك مشرط الجراح. اختار كلية الفنون الجميلة، قسم التصوير، واستبدل بمشرط الجراح ألواناً وورقاً أبيض وأحلام وردية.. هناك، داخل أسوار الكليه تعانق الحلم الجميل بالواقع، وانزوى الفنان القادم من حي الزيتون يرسم ويبدع ويلتصق مع صوت العصافير، فكانت الموسيقى عشقاً خاصاً يجاور حبه للفن. وبعد السنه الأولى اختاره الفنان عبد السلام الشريف ليرسم الكاريكاتير على صفحات جريدة "الجمهورية" بملحق خاص يرسم عائلة البهلوان، كما بدأ يرسم الكاريكاتير اليومي من سنة 1954 إلى سنة 1957، وأشعار بيرم التونسي، وتشكل وجدان إيهاب شاكر ليبدع بخطوط خاصة انسيابية تلمح فيها روح الشرق وموسيقى التناغم اللوني. بدأ بالتجريب وتطويع الخط بمدرسة خاصة لم تلمح فيها أي تقليد أو تأثُّر بنجوم المرحلة من رسامي الكاريكاتير؛ فقد اختار إيهاب إبداعاً نابعاً من ثقافة واطلاع ومعايشة للواقع، وابتعد عن التقليد أو النقل، فأصبح التفرد عنواناً ثابتاً أعلى خطوطه الخاصة.
استمر عطاء الفنان حتى تشبّع من الكاريكاتير اليومي، ليسكن داخل محرابه الخاص بمؤسسة "روزاليوسف" يرسم الغلاف الملون، ويتبادل مع الفنان جورج البهجوري أسبوعياً في مباراة فنية استمتع بها قراء الوطن العربى. بعدها بدأ مغامرته الفنية داخل مجلة "صباح الخير".
جيل "تلفزيونجي"
مع بداية انتشار التلفزيون بشكل كبير في كل قطر عربي؛ تشكّل جيل جديد تربى أمام شاشة التلفاز، يتلقى منها ثقافته، ويتربى على أفكار المسلسلات والأفلام في فترة كان التلفزيون هو وسيلة التسلية الوحيدة التي يقضي أمامها الشباب والأجيال المختلفة أوقاتهم، وتفتّح هذا الجيل على الكثير من الأمور التي كانت تختفي وراء ستار التقاليد والأعراف، وتشكل وجدانه على المناقشة التى تصل أحياناً إلى الجدال الطويل، جيل لديه رؤية مختلفة عن السابق بفضل شاشة صغيرة، تبث له الجديد، وتفتح معه آفاق عالم آخر غير عالمه الذي لا يتعدى الأب والأم والأسرة الصغيرة، وكالعادة يلتقط فنان الكاريكاتير الظاهرة، ويحولها إلى رسوم كاريكاتيرية تعبّر عن رؤية خاصة هي في الحقيقة جرس إنذار شديد الصوت من خطورة بعض الأفكار الواردة، إنذار إلى الأسرة بضرورة النظر إلى هذا الجيل من منظور مختلف يكون فيه الحوار سيد الموقف. وهنا يبرز فنان الكاريكاتير إيهاب بأسلوب كارتوني متمكن دارس أبعاد التكوين لكل شخصية، له رؤية تشكيلية واضحة المعالم، يتحور أسلوبه ويتحاور مع شخصياته، ليفجر التعليق القوي، فتعشق ريشته من أول نظرة. استطاع إيهاب شاكر أن يبرز مشكلات ذلك الجيل، وأطلق على أشخاصه "جيل تلفزيونجي" واحتفظ "إيهاب برسومه معبرة على صفحات "صباح الخير" بأحلام وشقاوة وخفة دم جيل يحلم بالغد، وجعلنا نحن نعشق الغد، ونتمنى أن نعيش شقاوة هذا الجيل.
الرسوم المتحركة
هل يستقر إيهاب شاكر عند محطة السكن بمكتبه بمؤسسة "روزاليوسف" بعد نجاحه وسط كتيبة من أمهر رسامي الكاريكاتير؟.. الإجابة: لا.. لقد اختار الفنان داخله روح المغامرة والتحدي، وسافر إلى فرنسا يدرس ويتعلم فن صناعة أفلام الرسوم المتحركة؛ شقاوة الطفولة التي يريد أن يعبر عنها تقلق منامه وترواده في أحلامه.. يبقى الطفل وجدانه النابض الذي عليه أن يقدم له شيئاً مختلفاً. التحق الفنان باستوديوهات "بول جرموه"؛ وهو "والت ديزني" الفرنسي، فنان لديه مشروع خاص يُبدع ويقبل أحلام الشباب، ليبدأ إيهاب مرحلة الكتابة والرسم وصناعة فيلم "واحد اثنين ثلاثة". حصل الفيلم على جائزة الجودة من المركز القومي الفرنسي، ومثّل فرنسا في أربعة مهرجانات دولية، وفيلم الزجاجة" وفيلم "الوردة" عام 1968 وفيلم "رقصة الهوى" تأليف وإخراج وإنتاج المركز القومي للسينما 1995 موسيقى جورج كازازيان (5 دقائق)، حصل على جائزة أحسن فيلم رسوم متحركة عام 1996 في المهرجان القومي للسينما بمصر. لم يتوقف إبداعه للطفل عند محطة صناعة أفلام الرسوم المتحركة، لأنها تتطلب مجهوداً أكبر وتكلفة أعلى، وتحتاج إلى مساحة للوقت والعمر الزمني. شقاوة الريشة والأقلام على طاولة الفنان تدفعه إلى التعبير بطريقة أخرى؛ لماذا لا تجرب معنا الرسم والكتابة للطفل على صفحات المجلات والكتب؟ وقد بدأها في باريس عندما ألف كتاباً للرسوم بعنوان "ياسين والمزمار السحري" يهدف إلى تعليم اللغة الفرنسية ببساطة بالبلاد العربية. سمع إيهاب شاكر كلام أدواته الناصح الأمين، وراح يبدع في محراب جديد.
مجلة ماجد
مجلة أسبوعية للأطفال ما بين سن السابعة والرابعة عشرة، صدر العدد الأول 28 فبراير عام 1979، وقد سجلت المجلة أعلى نسبة توزيع 167500 نسخة، ويعتبر رقمًا قياسيًا لتوزيع مجلة موجهة إلى الطفل. اهتم صناع المجلة بشكل جديد في مجلات الأطفال، نابع من إيمان داخلي بأهمية دور الطفل في صناعة مستقبل وطن. لم تكن مجرد مجلة مصورة ملونة، ولكنها وضعت استراتيجية خاصة تؤكد أن ثقافة الطفل عامل مشترك بين الأسرة والمجلة والمدرسة، وأن مجلة الطفل ليست وسيلة للتسلية، ولكنها حالة داخل وجدان الطفل لتصنع لديه حب المعرفة، وتنمية عادة القراءة. اختارت البطل "ماجد"، طفل شبه كل أطفال الوطن العربي، ليس بطلاً خارقاً يخرج من بين النيران ويضرب ويطير في الهواء، هو ابنك وابني، لديه قيم عربية، يحاول في كل حكاية مرسومة أن يغرس القيمة بعيداً عن المباشرة التي قد يهرب منها القارئ الصغير، وبخطوط خاصة رسم إيهاب شاكر شخصيتي "شمسة" و"دانة" في مغامرات ذكية. وقد اختار الفنان شخصياته من ابنتيه شهد وياسمين، يقدم مع رفيقة دربة سميره شفيق أحلى الحكايات، وتبقى خطوطه الانسابية البسيطة غير المفتعلة جسر التواصل للمتلقي. ينتظر الطفل العربي الحكاية، وقد يسعد عندما يزين الغلاف ريشة الفنان إيهاب شاكر. كما ابتكر شخصية "فضولي" الذي نبحث عنه داخل صفحات المجلة، يدفعنا ذكاء الفنان إلى أن نقرأ كل الصفحات بعناية حتى نجد شخصية فضولي المبتسم، ونفرح وقد نرفع المجلة بنداء نيوتن "وجدتها".
لم يتوقف الفنان عند تجربة "ماجد" الثرية التي استمر بها لمده 17 عاماً، ولكن حلقت ريشته المبهجة في سماء مجلات الوطن العربي، فأبدع أغلفة مجلة "العربي الصغير"، مجلة "علاء الدين"، مجلة "تاتا تاتا"، مجلة لطفل مرحلة ماقبل المدرسة، وكان أحد صناع هذا الحلم الذي توقف بعد ثلاثة أعداد، ورسم بمجلة "ميكي" ومجلة "سوبر ميكي"، وكانت له تجارب مهمة في مجلات Perlin et pin pin ، J2 magazine ، Formule 1 دار نشر فلوروس ( باريس – فرنسا)
كتاب الطفل
اختار الفنان في السنة النهائية لكلية الفنون الجميلة مشروع التخرج عن الموسيقى، وقدم اسكتشات بسيطة إلى أستاذه الفنان بيكار، وكانت نصيحة المعلم الأمين "عليك أن تختار موضوعاً أبسط؛ فقد يحتاج مشروعك إلى وقت يستنزف طاقتك الإبداعية".. لم يخطئ الأستاذ؛ فقد راحت بوصلة الفنان إلى مشروع شعبي يعشقه، فكان السيرك بألوانه الزاهية وحركات لاعبيه وثراء مفرداته ونكهة تكويناته. ابتسمت خطوطه، وعبّرت بصدق، وكانت الألوان المبهجة طريقه للحصول على أعلى الدرجات. تعلق إيهاب بفن أستاذه بيكار الذي اختاره لصناعة كتاب للطفل بدار المعارف المصرية، ليبدأ مرحلة الإبداع لعالم خاص تسكنه البراءة والصدق، وهي طبيعته الخاصة، فكان كتابه الأول "عقلة الأصبع في مملكة النمل"؛ تجربة إيهاب الأولى التي شكلت بداية التكوين الفني. جاور بعدها الفنان إيهاب شاكر أستاذه على صفحات مجلة "السندباد" ومجلة "سمير". وبعد مرحلة النضج التى أعقبت أعماله المرسومة على صفحات المجلات المصرية والعربية؛ استقر الفنان عند محطة كتاب الطفل، يبدع من تأليف ورسم "القطة بوسي" و"البيضة المهرجة" شعراً باللغة الفرنسية، وحكاية "الملك بير" بتيمات شعبية وألوان خشبية مبهجة تعشقها عين الصغير، وإطار مزركش، استمد الفلكولور العربي فى التكوينات والأشخاص، وقصة "عندما رقص الأسد" بخطوط وكلمات بسيطة رسم الفنان علاقة بين الأسد الذي كاد يلتهم الحمل الصغير، ولكن الأخير استخدم ذكاءه في أن يتحول العداء إلى صداقة وغناء ورقص، وكانت الألوان هي المعادل البصري للنص. اختار الفنان تكويناً للأسد والحمل مستخدماً ألواناً خشبية بسيطة يستطيع الصغير أن يتعامل معها، ويتأكد من أنها وسيلة لإنتاج أعمال جميلة.
توالت إبداعات الفنان في رسم كتب الأطفال، فكانت "قصص الحيوان في القرآن" تأليف أحمد بهجت، "ألف حكاية وحكاية" تأليف حسين أحمد أمين، "حكاية أراجوز"، "حكاية سلطان"، "دعوة إلى باريس"، "الشمس والقمر"، "سر المركب" تأليف سميرة شفيق، "هنونة وجدتها سونة" ( الجزءان الأول والثاني)، "سفينة نوح" شعر أحمد شوقي.
مسرح الطفل
صاحب الفنان إيهاب شاكر الورقة والأقلام الملونة، بينما انشغل شقيقه ناجي شاكر بصناعة "العروسة"؛ فهو واحد من رواد مسرح العرائس (اختير ناجي شاكر للاشتراك في إنشاء مسرح العرائس، فصمم عرائس وديكور مسرحية "الشاطر حسن" التي افتتح بها أول عرض لمسرح العرائس في تاريخ مصر) انجذب إيهاب إلى هذا العالم الرحب الجميل، وانشغل لبعض الوقت بالرسم، ولكن ظل الحنين إلى تجسيد أعماله، لتخرج من حيز الورقة الضيق إلى آفاق أوسع. جرب في الرسوم المتحركة، واختار مسرح الطفل ساحةً للتجريب. بدأ في عام 1962 مسرحية "عقلة الأصبع في مملكة النمل" لمسرح القاهرة، وفي عام 1967 قام بتصميم عرائس "دقي يا مزيكا" من إخراج ناجي شاكر، حتى كان عام 1971 في تجربة خاصة ومميزة بمسرحية "ابتسامتي" تأليف وإخراج النص باللغة الفرنسية، وعُرضت بالمركز الثقافىي بضاحية "شاتيون" في باريس.
توقف نبض قلب الفنان، ولكن عطاؤه استمر في رحلة خاصة، امتدت أكثر من ستين عاماً من الإبداع والتالق في عالم الطفل الساحر الذي كان إيهاب أحد صناعه.