اختلفت الرسوم في بعض الحضارات، وتم استخدام الزخارف المختلفة، وقد ظهرت الرسوم التي ارتبط بها الخيال بشكل كبير في الكثير من البلدان الآسيوية التي لم يُسمع بها في البلدان العربية، وتفوق بعضها لفترة من الوقت، حتى كانت الكتب العربية المنسوخة، فلم تكن هناك وسيلة لنشر الكتاب غير نسخ النص والرسوم، ثم أصبحت مهنة البعض. أما في بلاد الغرب؛ فكانت مهنة الرهبان، ما رفع من سعر الكتاب المنسوخ جدًا، فلم يحتفظ به سوى الملوك والأثرياء. استخدم العرب الرسوم والنقوش والزخارف بتفوق ملحوظ، وأنتجت اليد العربية الملايين من المخطوطات العربية في أنحاء العالم، واستخدم الفنان العربي الرسوم الجمالية ذات الزخارف المبهرة، التي اعتبر فيها اللون والخط إبداعًا تشكيليًا خاصًا. مجلة "سندباد" ورسوم بيكار مجلة مصرية أسبوعية للأطفال، كانت تصدر كل يوم خميس، صدر أول عدد منها في 3 يناير 1952، وتعتبر أول مجلة أطفال عربية. قام على تأسيسها ورئاسة تحريرها الأديب محمد سعيد العريان، صدر آخر عدد منها في يوليو 1960. وقد سبقت مجلة "سندباد" بعض المحاولات الأولى لرسوم الأطفال بمجلة "السمير" ورسوم لشخصية جحا بريشة الفنان الجيركسي رفقي والفنان الإسباني سانتيس. سبق بيكار تجربته بمجلة "سندباد" إبداعه العديد من كتب المطالعة الدراسية، علاوة على كتب كامل الكيلاني الذي قدم معه أول كتبه الملونة "على بابا" و"أبو صير وأبو قير" و"خسروشاه" عام 1946، وكانت رسومه مدرسة خاصة قدم بعدها للساحة الفنية العديد من رسامي كتب الأطفال بتجاربهم الخاصة، وإن كان البعض جنح إلى رسم الكاريكاتير أو الفن التشكيلي، ولكنهم جميعًا اشتركوا في حبهم لفن صناعة الكتاب والرسم للطفل؛ ومنهم الفنان مصطفى حسين. كانت البداية إبداع غلافة الأول بمجلة "الاثنين والدنيا" مصوراً الصراع بين أيزنهاور وخورشوف وماذا يصنع الاثنان بالدنيا، فكانت الفكرة القوية الأولى، وتفتحت الأبواب أمام موهبة خاصة تحمل بصمة خاصة لفنان خاص لم يأخذ من أحد؛ على العكس من النظرية التي تقول "إن الفنان عادةً ما يبدأ متأثراً إلى حد التقليد" ولكن مصطفى حسين كسر حاجز النمطية ليصنع مدرسة خاصة لها بعد ذلك تلاميذ. في البداية كان هو الأستاذ وصاحب المدرسة والتلميذ الوحيد. بقى عامين يصنع الأغلفة والكاريكاتير، ليكتشف فجأة أنه مازال طالباً لم ينتهِ من دراسته بعد أن تذكر قبل الامتحان بأربعة أيام فقط، وقرر النجاح والتفوق، فكان قرار اللجنة المكونة من يوسف كامل والبيناني "مصطفى حسين ... امتياز".

ولأنه متشبع بفن بيكار كان من الضروري أن يخوض تجربة صناعة الكتب والرسم للأطفال، فرسومه خطوطها بسيطة وتصل إلى وجدان المتلقي بشكل سريع يبتعد عن تعقيدات التشكيل، ويوصل رسالته إلى عين المتابع فيتعلق بها سريعا.
بدأ بمؤسسة السينما 1962 محاولاً أن يصنع أفلام رسوم متحركة على نهج والت ديزني، وربما لو نجحت التجربة لكان لها الأثر العظيم. يحكي الفنان عن التجربة (- حدثنا عن تجربتك "الوحيدة" في عمل فيلم رسوم متحركة مع الرسامين حسن حاكم وعبدالحليم البرجيني، ولماذا لم تكرر التجربة برغم نجاحها؟.. ويجيب مصطفى حسين: كان حسن حاكم من أهم وأبرز الفنانين المصريين، وكان لدينا - أنا وحسن حاكم وعبدالحليم البرجيني - اهتمام بالعمل في مجال الرسوم المتحركة، وكنا نتساءل: لماذا لا نخوض غمار هذا الفن؟ فقد كنا نعتبر الرسوم المتحركة امتداداً للكاريكاتير. واتفقنا مع الأديب الكبير نجيب محفوظ والمخرج الراحل صلاح أبوسيف على تنفيذ الفكرة، وكان ذلك عام 1962، وبالفعل بدأنا العمل لإنتاج فيلم صغير باسم (تيتي ورشوان) وكانت الشخصية الرئيسة في الفيلم هي رشوان، وهو خفير يرتدي الطربوش ويحرس معبداً فرعونياً للملك "تيتي" ويتأخذ الخفير غفوة طويلة، فيظهر له تيتي في حلمه، وتتوالى الأحداث. ولكن الخامات التي توافرت لنا في هذا الفيلم لم تكن كافية لإنتاج فيلم جيد من ناحية النوعية، فالكاميرا التي استخدمناها كانت كاميرا الملك فاروق، وهي كاميرا خشبية عتيقة تلتقط الفيلم صورة صورة، فاضطررنا لاستكمال تصوير الفيلم بكاميرات استديو مصر، وكانت أكبر في إمكاناتها، لكن إنتاج الفيلم استغرق وقتاً طويلاً، وهذه الصعوبات جعلتنا لا نكرر التجربة. كما أننا كنا قد تعودنا فن الكاريكاتير الذي كان بمثابة معرض يومي يزوره الرواد ويقولون رأيهم أولاً بأول.

وكان للفنان مصطفى حسين تجارب أخرى في مجال الرسوم المتحركة، ولكن في شكل أفلام إعلانية عن التوفير؛ كما في تجربة فيلم لمدة دقيقة باسم "الديناصور والنملة" أو أفلام توعية دعائية قصيرة، وفيلم "اعرف عدوك" وكلها تجارب صغيرة، ولكن حلم الرسوم المتحركة توقف بعد تجربة مؤسسة السينما.
ومع بداية سنة 2000 عاوده الحنين إلى الرسوم المتحركة بتجربة أول فيلم عربي روائي كارتون باسم "الفارس والأميرة" وكتبه بشير الديك وأخرجه محمد حسيب، ومن إنتاج شركة السحر، وقام حسين بتصميم شخصيات الفيلم الروائي الطويل وهم (الأمير ـ الأميرة لبنى ـ الكاهن ـ الملك داهر) وانتهى من تصميم هذه الشخصيات باقتدار ولكن تعثر المشروع وتوقف تماماً.

درش يرسم للأطفال
أما رسوم الأطفال فقد بدأت مع مصطفى حسين بتجربة مجلة "سمير" الصادرة عن دار الهلال 1959 حتى 1965؛ حيث رسم الغلاف لشخصيات سمير ورسم القصص المصورة، وكان يوقع باسم "درش" وابتكر شخصية "قاضي القضاة"، وعلى صفحات مجلة سمير عاش كل تجارب الرسم للطفل؛ رسم الكاريكاتير والرسوم التعبيرية، وابتكر الشخصيات، ورسم جحا في قصص مصورة، واتسمت أعماله بالبساطة، ولم تختلف عن رسومه الكاريكاتيرية بالذاكرة البصرية والقدرة التشكيلية والبساطة في الخطوط.
خاض حسين تجربة الرسوم للطفل مع حكايات الأطفال اليومية "توتة توتة" مع الفنان دياب والفنان محمود القاضي. رسم لوحات لخلفيات القصص وشخصيات القصة التي كان يتم تحريكها عن طريق سلك من خلال مجرى داخل الخلفية المرسومة في ابتكار بسيط، وامتدت الحكايات على صوت الراوي وخلفيات الرسوم.

وفي مجال كتب الأطفال رسم مجموعة كبيرة من الكتب؛ من بينها سلسلة القرآن الكريم بقلم أحمد بهجت (السامري والعجل، أهل الكهف، صاحب الجنتين، أصحاب السبت، أصحاب الجنة، أصحاب الفيل، سيل العرم) وكلها من منشورات دار الشروق. كما رسم سلسلة "ألف ليلة وليلة" بالحجم الكبير من إعداد الشاعر أحمد سويلم؛ وهي التجربة التي يعتز بها الفنان كثيراً (خضت التجربة من خلال كتب كثيرة، وحصلت على جائزة الدولة التشجيعية عن رسوم كتب الأطفال، وكانت أفضل تجاربي هي رسومي لكتاب "ألف ليلة وليلة" للأطفال، وكان بحجم أضعاف الكتب التي كانت سائدة، ومنها عبد الله البحري، السندباد البحري، الفرس العجيبة، الملك الحكيم. وسلسلة حكايات جحا والقاضي؛ وهي من تأليف أحمد بهجت، وسلسلة "كليلة ودمنة" من إعداد أحمد رجب، ومنها (القط والفأر، والأسد والثور، وحي بني يقظان) من إعداد الشاعر صلاح عبدالصبور. وقد حصل مصطفى حسين على جائزة سوزان مبارك لرسوم كتب الأطفال "أحسن رسام" في عامي 1990 و1994.

في مسرح الطفل
للفنان مصطفى حسين تجربة في مجال مسرح الطفل من خلال تصميم عرائس مسرحية "عروستي". يتحدث عن التجربة في يونيو 2004 قائلاً: "مسرح العرائس له صلة مباشرة بفن الكاريكاتير؛ باعتبار أن تجسيد الشخصيات وتصميمها يستند إلى أسلوب كاريكاتيري. كما أن صناعة العروسة تحتاج إلى مهارة خاصة في فن النحت، لذلك رسمت العروسة الواحدة من ثلاث زوايا، لكنها كانت تجربة جيدة، وهي ليست غريبة عليّ؛ لأنني سبق لي أن قدمت أفلام رسوم متحركة، وهي تحتاج أيضاً لرسمها من ثلاث اتجاهات.

والجديد أن يتم استخدام رسمي في عمل عرائس، ومنذ بداية التجربة وأنا سعيد بها، لكني سأكون أكثر سعادة عندما ينجح العرض.. لا بد من أن نعترف بأن خيال الطفل أصبح غنياً جداً؛ بما تقدمه له القنوات الفضائية والتكنولوجيا الحديثة، وهو ما جعل عالمه أكثر اتساعاً، وبالتالي أصبحت إثارته أكثر صعوبة. لذلك يجب أن تتغير العروسة عنها في القرن الماضي، سواء في تكوينها أو طريقة حركتها".
ارتكز الفنان مصطفى حسين في رسومه للأطفال على إطلاق العنان للخيال ودراسة الأماكن والملابس وكل تفاصيل المشهد؛ فعندما تنظر إلى حكايات "كليلة ودمنة" تشعر وكأنك جزء من المشهد، تعيش الأحداث وتلامس العناصر داخل العمل.

وقد استفاد حسين كثيراً من رسومه الكاريكاتيرية، فكانت رسومه للأطفال مبهجة وبسيطة الخطوط، وأكملها باللون الذي برع فيه بشكل مميز. كانت المساحات اللونية معبرة عن جو المشهد وكأننا أمام صورة متحركة، تسمع وتشعر باتجاه الريح وحركة السحب. خاطب برسومة وجدان الطفل، وظلت ألوانه شاهدةً على تشكيل حالة لا تعبر عن النص فحسب، بل تضيف إليه أيضاً. لم يكن انشغال مصطفى حسين بالنص منصباً على صعوبة تنفيذه، ولكنه ظل منشغلاً بالقيمة المضافة إلى النص، فكانت لوحاته بمفردها حكاية موازية للنص المكتوب؛ إذا انفصلت عنه يمكن للطفل أن يسرح بخياله ليصنع لنفسه نصاً خاصاً، وذلك ما دفع كثيراً من المبدعين إلى اللجوء إليه، ليرسم لهم أعمالهم؛ لإدراكهم للقيم المضافة إلى رسومه. إن اقتناء كتاب من أعمال مصطفى حسين هو قيمة جمالية بحد ذاته، وكأنك تعيش خيالاً خاصاً وحلماً لا تتمنى أن تفيق منه.. رحم الله صانع خيال الطفل العربي.