لقد صارت "موضة " العصر بامتياز وموجته العارمة التي لا شاطئ يستطيع أن يأمنها كبيراً ولا صغيراً، ذكراً ولا أنثى. غير أن الطامة الكبرى التي تتهدد المجتمع العربي تكمن في أطفالنا وما عراهم من تسابق محموم ومجنون إلى العوالم الرقمية التي تقذف في كل حين بجديدها: مواقع وروابط وفيديوهات وتطبيقات مختلفة توّجها الذكاء الاصطناعي مؤخراً بألوانه المختلفة؛ قد يكون الإنسان البالغ على الأقل متحكماً في عالمه الرقمي ومنضبطا بحدود معينة في الفضاء الشبكي، يسيّجه وعيه ونضجه، غير أن الطفل يظل عرضة لمخاطر هذه العوالم الهائجة واللامتناهية؛ ما يستوجب من الأسرة فرض رقابتها على الطفل وتضييق الخناق عليه في الجوانب الترفيهية والمعرفية التي يتذرع بها دوماً، لتكون سبيله إلى الاحتكاك والتفاعل مع العالم الرقمي الافتراضي.
الطفل والعالم الرقمي
اختلفت العلاقة اليوم بين الطفل وعلاقته بالمحيط، سواء داخل الأسرة أو محيط المدرسة؛ ففي الوقت الذي كان الطفل يتلقى المعرفة بشكل مباشر على المستوى الصفي من قِبل المدرس، صار الآن ملزماً بالتقاط المعرفة الجاهزة من الفضاء الشبكي بتوجيه مؤسساتي يكون فيه المدرس دافعاً إلى تبني هذا السلوك؛ ما يجعل الأسرة مجبرة على الرضوخ للقرار التعليمي لما تمتلكه المدرسة من سلطة معرفية في هذا الباب، وهنا تكمن واحدة من كبرى المشكلات التي تعيق تعلمات الطفل؛ حينما يتكئ على الجاهز من المعرفة من دون أن يُعمل عقله، ما يؤدي مع مضيّ الوقت إلى عدم قدرته على آليات الاستدلال والمنطقة والتحليل والقياس لركونه إلى الجاهز المعطى، ما سيضعف قدراته العقلية ويُفقده تملك الخبرات الجمالية كلما استمرت الممارسة التعليمية نفسها، ما سينتج عنه لا محالة تعطل الموهبة الإبداعية وتمنع التفكير الفلسفي مع مضيّ السنوات، لأننا سنحصل على نسخ شبه موحدة تفكر بالنسق نفسه؛ ما سيؤدي حتما إلى غياب المبدع والمفكر والفيلسوف.
إن ترسيخ هذه الثقافة المعرفية في المدرسة وتثبيتها عبر الإنجاز داخل البيت كفيل بإغراق الطفل في علاقة لا تُحمد عقباها مع العالم الرقمي، لأنها تفتح له الطريق نحو متاهات أبعد وربما أخطر حينما تغيب الرقابة أو يخفت بريقها بفعل انشغالات الحياة التي لا تنقضي؛ ما يجعل الطفل وحده أمام عالم رقمي مشتت يتقاذفه هنا وهناك، فيحاول التجريب عبر لعبة الاكتشاف التي يمارسها أي طفل ليجد نفسه داخل دوامات كثيرة معرية تتجاذبه في شتى الأنحاء.. صحيح أن العالم الرقمي يقدم فوائد جمة على مستوى المعرفة الإنسانية، غير أنه يحتاج إلى تقنين استعمال وضبط زمني محدد، وعدم إغراق وتكثيف في الإنجاز من قِبل المدرسين حتى لا ينساق الطفل وراء موجات العالم الرقمي الهادرة. وهنا يجب على المدرسة بمعية الأسرة أن يعملا معاً بجهد على تقنين الممارسة والاستعمال الرقمي لدى الطفل عبر تفعيل آليات المراقبة الذكية ومصاحبته في أثناء الإنجاز، حتى لا يُسمح له بوجود الثغرات الزمنية للانسياق وراء إغراءات العالم الرقمي؛ لقد كان الطفل من قبل يعيش متفاعلاً بشكل مباشر مع المدرس في إطار تحكمه دينامية الجماعة، ويمارس بين الفينة والأخرى ألعابه الطفولية مع أقرانه، وينجز واجباته المدرسية بمعية الأبوين أو أحدهما أو غيرهما ممن نال حظاً من المعرفة داخل أسرته أو خارجها، لكنه الآن صار يعيش متغيرات جديدة في ظل الرقميات وعوالمها المتسارعة والمتجددة؛ الأمر الذي يستلزم من الأسرة العمل جاهدةً بمعية المدرسة والمجتمع المدني ووسائل الإعلام على تنمية وعي الطفل بمخاطر العوالم الرقمية وسلبياتها الكثيرة، سواء منها الصحية المتعلقة بما هو بصري وفيسيولوجي دماغي بما يسببه إشعاع الشاشة من ضرر على البصر والدماغ، وأثر نفسي ناتج عن إدمان الشاشة وخلق التوتر والقلق الذي تسببه الألعاب الإلكترونية للطفل بحكم ما تصنعه من غمس له في ثنائية الانتصار والهزيمة، أو مشكل معرفي بسبب اعتماده الكلي على المعرفة الجاهزة.
نحو استعمال آمن للرقميات
لا يمكن البتة في مجتمع عربي تحول من السمعي إلى البصري، مجتمع يعيش عصر الصورة بامتياز، أن ينسلخ فيه الطفل عن هذا النظام الشمولي الذي شكل بناءً ثقافياً جديداً للمجتمعات العربية؛ فالصورة صارت ملتصقة بالوجدان الإنساني عبر المكتوب والمرئي، لذا فإن أي محاولة لسلخ الطفل عن هذ المشهد الثقافي الجديد هي تقويض لبنية نفسية ووجدانية أخذت في التشكل؛ تماماً كحال الوجدان العربي حينما ارتبط بالشفهية قبل الانتقال إلى التدوين، ذلك أن كل عصر تميزه علامات ثقافية تمنحه التفرد التاريخي الذي يجعله جزءاً من طبقات الحضارة الإنسانية، ومن هنا فإن العالم الرقمي وسم جديد لعصر الحداثة وما بعد الحداثة؛ تفجّر ينبوعه بشكل متلاحق في كنف المنافسة الصناعية والتكنولوجية المتنامية في العالم، ولا يمكن أن نفصل الطفل العربي عنه مطلقاً، لذا فالواجب يحتم تقنين ممارسة الطفل مع الفضاء الرقمي عبر الإشراف الكلي للأبوين وللمدرسة الملزمة بعدم الضغط المتوالي على الطفل لكي يسترفد المعرفة من قلب العالم الرقمي عبر نصوصها المترابطة Hypertexte، التي تغدو المرجع الأوحد في ثقافة الطفل ومفكرته، فلا يلتفت للنص الورقي الذي يظل حكراً على الممارسة الصفية وما دونها، فيكون فيه الإقبال على الفضاء الشبكي بشكل مغرق لفكر الطفل وبالنمط الذي يشده إليه حتى يسيجه ويكبله بحبائله المتينة. إن الأسرة بما تمتلك من وعي، سواء كان وعياً أكاديمياً أو وعياً جمعياً شكلته الثقافة العامة عبر التداول بين طبقات المجتمع البسيطة، ملزمة بتهيئة الطفل للإقبال على العالم الرقمي بحذر شديد وبرزانة وحكمة، من دون إسراف وتجاوز للحدود التي يجب رسمها للطفل وتحديد معالمها عبر تلقينه معرفة تتعلق بالعالم الرقمي، مبرزةً سلبياته وإيجابياته كما هي حدود العلم في شتى المجالات، ليكون العالم الرقمي كالصنبور يُفتح متى أريد فتحه ويُغلق حين يراد إغلاقه، ولا بد للمحيط، والمدرسة، والمجتمع المدني بمؤسساته المختلفة والإعلام بقوته التأثيرية، أن تعمل مجتمعةً في دوائر متراصة ومتشابكة تتكامل فيها الأدوار، لتقود الطفل العربي نحو شاطئ النجاة في بحر الرقميات الهادر؛ إذ إن تعلم الطفل ما في العالم الرقمي وإدراكه المبكر لمخاطره وسلبياته وحسن توظيفه لهذا العالم بذكاء وعقلانية عبر التتقاط الفوائد وصرف النظر عن أشكال الإغراء وضروب التفاهات عبر تحصين هويته الثقافية بخاصة القيمية والروحية منها، سيجعلها جداراً منيعاً قادراً على مواجهة التيار الآتي للعالم الرقمي الجارف.
نحو تربية رقمية سليمة
لن يمنع أطفالنا من خوض معامع العوالم الرقمية؛ فكل شيء اليوم صار مرتبطاً بهذا العالم: رسالتك الإلكترونية إلى مجلة من المجلات، قراءاتك لكتب قد لا تجود بها المكتبات، بحثك عن كلمة في معجم ورقي قد يستغرق منك وقتاً طويلاً، تبضعك، مشاهدة بث مباشر لندوة أو مشاركتك فيها عبر"موقع زووم"، شيء من هذا وذاك يجعلنا جميعاً مسجونين ومشدودين إلى العالم الرقمي، حتى الطفل ليس بمأمن من هذا الشد والجذب.. لذا، وجب أن يتلقى أطفالنا في المدارس وداخل الأسر وعبر وسائل الإعلام دروساً في كيفيات التعامل مع العوالم الرقمية بخاصة أننا في صراع محموم وشرس ضد عوالم التفاهة التي باتت تُغرق عقول الصغار والكبار؛ ما يهدد الطفل العربي في تكوينه النفسي والأخلاقي والروحي. لذا كان حثنا على الجانب الروحي مهماً في تحصين هوية أطفالنا ضد هذا الموج الهادر، فتلقي الطفل تربيةً رقميةً عبر برنامج دراسي في مؤسسته التعليمية، وتثبيت هذا التلقين داخل الأسرة، وتزكيته بما سيصنعه المجتمع المدني من خلال الأنشطة المسرحية والثقافية المختلفة التي ترمي إلى بناء وعي جمعي يتماشى مع طبيعة النسق التوعوي الذي رسمت معالمه المدرسة وعمدت إلى تثبيته الأسرة، وسيقوم الإعلام بدوره الخطابي والتأثيري في نفسية الطفل من أجل إحسان التعامل مع العالم الرقمي، فالطفل ورقة بيضاء بلغة التجربيين تستطيع أن ترسم فيها ما تريد وتخط ما تشاء، فكما تستطيع كل الدوائر إذا تضافرت تعليمه الحفاظ على البيئة وتلقينه آداب التعامل مع الآخر وتدريبه على العناية بالحيوان وغير ذلك من أشكال التربية التي يتلقاها النشء في البدايات؛ تستطيع كذلك تنشئته على حسن التعامل مع العالم الرقمي بوعي ينضج شيئاً فشيئاً مع إحكام الرقابة وتزكية الروح وتنمية القيم المثلى التي ستكون حصناً حريزاً لهذا الطفل وذاك من كل موجة قادمة مهما تكن قوتها، ومهما يشتد هديرها.
إننا في حاجة ماسة، اليوم أكثر من أي وقت مضى، إلى تفعيل طقس ثقافي جديد يضاف إلى طقوس التربية الممارسة في كل دائرة من الدوائر، بدءاً من الأسرة، ومروراً بدائرة المحيط والمدرسة، وصولاً إلى المجتمع المدني والدائرة الإعلامية؛ طقس يسطر بنوداً تربوية جديدة تضاف إلى غيرها من البنود غير أنها ذات صبغة رقمية لا تحتاج إلى وعي أكاديمي تؤطره المعرفة العالمة داخل النخب الأسرية، وإنما تستطيع إليها الطبقات العادية، بفضل ما يروج من ثقافة مجتمعية استطاعت أن تؤسس لوعي جمعي وتنشر مجموعة من الأفكار الصائبة حول آثار العالم الرقمي السلبية بعدما لمس الناس في واقع الحياة الآثار المدمرة التي أججتها عوالم التفاهة بمركباتها وتفاصيلها المختلفة السالبة للعقول والمؤثرة في الميول. إنها تربية رقمية يستطيعها المثقف وغير المثقف؛ لأنها غدت جزءاً من التشكيل الثقافي للمجتمع يفرز آلياتها وعي داخلي متشابك الخيوط؛ صار مشتركاً جمعياً يغذيه التداول في صورته الخارجية، مثلما يغذيه العالم الرقمي نفسه من خلال ما يمارسه من محاربة من داخل الميدان نفسه وبالسلاح ذاته.
