الملخص: يتحدث المقال عن بعض جوانب من شخصية الرائد عبد التواب يوسف، وكيف حقق من نجاحات في مجال أدب الأطفال، وأصبح شخصية فريدة بين شخصيات مصر والعالم العربي، متوجاً بقيم الحق والخير والجمال.
وهو في كل أعماله كاتب ينتمي إلى عقيدة، ومجتمع، ووطن، وقيم سامية، يعمل على توصيلها في عذوبة إلى نشء مصر وعالمنا العربي. عبد التواب يوسف هو الشخصية العصامية التي تحلق دائماً في العالم لكي تبحث عن كل ما هو جديد في الثقافة بشكل عام، ومجال ثقافة الطفل بشكل خاص. يؤمن عبد التواب يوسف بأن التراث ليس متحفاً، يؤمن بأننا يجب أن نحيا بالأصالة والمعاصرة. كان يدرك أهمية مسرح الأطفال كأداة فعل وعمل إبداعي في تطور المجتمع.
قدم أعمالاً كثيرة في أشكال مختلفة؛ قصة، مسرحية، برنامج إذاعي، مقال. هو شخصية فريدة، وتفردها من كونه مدركاً أن العمل بدأب النحل هو السبيل لتحقيق ما تريد، تتسم كتاباته بالوعي بالمراحل العمرية للطفولة فكانت اللغة والموضوعات وطريقة وأسلوب المعالجة، تتناسب مع القدرات العقلية والنفسية لجمهور نشء المستقبل.
اقتربت كثيراً من الكاتب عبد التواب يوسف، وكنت مبهوراً بما يحقق من نجاحات في مجال أدب الأطفال، جعلت منه شخصية فريدة بين شخصيات مصر والعالم العربي على المستويين الأدبي والإنساني. حينما نتأمل إنتاجه الغزير سوف يتضح لنا كيف يبني الأديب مجده الأدبي، كيف يبني سيرته الذاتية، كيف ينفق جهده لبناء نفسه بثبات وقوة مشحوناً بقيم الحق والخير والجمال، ويسير غير عابئ نحو هدفه يكتب ويناقش ويحاور بروح الفارس. وهو في كل أعماله كاتب ينتمي إلى عقيدة، ومجتمع، ووطن، وقيم سامية، يعمل على توصيلها في عذوبة إلى نشء مصر وعالمنا العربي.
إن عبد التواب يوسف كان يعيش لهدف واحد هو إيجاد النص الأدبي السهل العميق الذي يصل مباشرة إلى قلب الطفل العربي. إن حياة هذا الكاتب هي إضاءات نور معرفية، حاولت أن أتأمل هذه الإضاءات لعلها تطرح بشعاع ضوء ينير طرقاً جديدة.
كان يعيش لهدف واحد هو إيجاد النص الأدبي السهل العميق
الإضاءة الأولى
سلاماً وتحية عطرة إليك عبر الأثير، رائدَ أدب الأطفال في مصرنا الحبيبة وعالمنا العربي، عبد التواب يوسف (1928- 2015)، أيها الشجرة المنتصرة، أيها الأب الروحي الذي تعلمنا في مكتبة بيته العلم القيم، هذه المكتبة التي تعتبر من أكبر المكتبات الشخصية في مجال الأطفال، وتعلمنا من سلوكه الخلق الرفيع. ماذا أقول والكلمات عاجزة عن التعبير عن مكنون النفس تجاه شخصكم المنارة، نعم منارة باسقة في سماء مصرنا الغالية، تشع ألوان طيف متلألئة بقيم الحب للبناء والتنوير للأجمل والأفضل، أنت الشخصية العصامية التي تحلق دائماً في العالم لكي تبحث عن كل ما هو جديد في الثقافة بشكل عام، ومجال ثقافة الطفل بشكل خاص.
الإضاءة الثانية
لقد أعجبتني قصة " الشجرة المنتصرة " للكاتب المبدع عبد التواب يوسف، إنها أيقونة من كتاباته المبتكَرة، ولشفافية وجمال الموضوع، أعدتها في قالب المسرحية " وكان ذلك في فصل من موضوع رسالتي لدرجة الماجستير بالمعهد العالي للفنون المسرحية بأكاديمية الفنون، وهى توضح – في بساطة – حكاية د. زهيرة الحاصلة على دكتوراة في علم الأشجار، وكيف بدأت حبها للشجر والخضرة والنماء منذ كانت طفلة صغيرة في القرية، ثم هجرتها لتعيش فى المدينة مع أبيها، وكيف دخلت معركة كافحت فيها من أجل الإبقاء على شجرة الميدان، وانتصرت. إنها فكرة إدراك الجمال والإحساس به، بل المحافظة عليه، فكرة أن نُبقي على كل ما هو أخضر، نحترم الجمال في الطبيعة، في الأشجار، هذا إلى جانب قيم أخرى متضمنة كقيمة احترام العمل، والوقت، وتقدير آراء الآخرين، إلا أن هذه الفكرة لها الصدارة البارزة. وهكذا ينتصر الكاتب للخضرة، لقيم الحق والخير، ينتصر لأطفال المستقبل، وأراه يتحدث بلسان د. زهيرة العالمة القوية، وأراه أيضاً كشجرة عملاقة على ضفاف النيل ترتوي من مائه العذب، لكي تنشر عبيرها الفواح، وتنتج أجود الثمار، وتظلل بأوراقها كل المتعبين والحائرين، تقف بصبر شامخة ضد أعاصير الرياح، هذه الشجرة تحمل روح البطولة والشجاعة والمغامرة.
آمن بأن التراث ليس متحفاً، ويجب أن نعيش بالأصالة والمعاصرة
الإضاءة الثالثة
يؤمن عبد التواب يوسف بأن التراث ليس متحفاً، يؤمن بأننا يجب أن نحيا بالأصالة والمعاصرة، لذلك فهو يذهب إلى التراث سواء كان هذا التراث عربيا أو عالمياً وهو يتناول حكايات التراث، ويعالجها معالجة فنية في داخل العمل الأدبي، سواء قصة أو مسرحية أو أي شكل فني آخر، بحيث تخرج إلينا حية نابضة بروح عصرنا، طارحة فيما يجب أن نحافظ عليه ونتمسك به، كل ذلك في مزيج واحد كالروح والجسد لا انفصال بينهما. وعلى سبيل المثال في سلسلة مسرحياته "جحا والحذاء الهارب" "جحا والقدرة المتكلمة" "جحا وشجرة الأرانب" "جحا وأمطار النقود" نجد البيئة المسرحية تدور أحداثها في بيئة عربية بها مآذن وقباب، وأيضا الملابس التي ترتديها الشخصيات ملابس عربية، وهي في الوقت نفسه تتحدث عن مضامين شديدة المعاصرة مثل التفكير العلمي، الإنتاج، التخصص……إلخ. ما أجمل أن يسعى كل من يحب الطفولة إلى أن يتناول التراث من منظور عصريّ.
الإضاءة الرابعة
كان عبد التواب يوسف يدرك أهمية المسرح بوصفه أداة فعل وعمل وتطوير وتغيير، تغيير العالم الداخلي للإنسان، وتغيير العالم الخارجي أيضا، تغييراً تسانده بيئة صالحة لحياة أفضل وأجمل. وكان يدرك أيضاً أن "أزمة المسرح العربي تكمن في أن الأجيال التي تشاهده لم تتدرب في طفولتها على تذوق الدراما، وعلى كشف روعتها وسحرها، لذلك لا تحفل كثيراً بالأعمال التي تقدم، والتي تلقى في الخارج إقبالا منقطع النظير. والأجيال الجديدة في مسيس الحاجة إلى الإحساس بهذا الفن والتدريب على التمتع به، لتنمو معهم الرغبة في متابعته" من هذا الوعي أخذ على عاتقه إرساء قواعد مسرح الطفل بأساليب عدة، منها الترجمة، والتأليف، والأبحاث، ومتابعة المؤتمرات العلمية في الداخل والخارج، والمقالات، والتنقيب والكشف عن الأعمال المسرحية عند الرواد؛ تقديراً ووفاء لإسهاماتهم. وعلى ذلك قدم أعمالاً متنوعة ترجم "الحذاء الأحمر" للكاتب النرويجي هانز كريستيان أندرسون، وقدّم "عم نعناع" وسلسلة مسرحيات "جحا" ومسرحية "كاف تاء ألف باء" وسلسلة المسرح المدرسي التي تقدم مسرح الخيال العلمي بأسلوب جذاب في مسرحية "كوكب صغيرون" و"كوكب النبات الأخضر". يقدم هذه المسرحيات بجمال وسلاسة اللغة العربية، ووضوح البيئة المكانية والزمانية، وهندسة بناء الأحداث والشخصيات، وروح الفكاهة والمتعة مع القيم المستنيرة السامية، كما أنه اكتشف لنا مسرح الهراوي.
المسرح عنده كان أداة فعل وعمل وتطوير وتغيير

الإضاءة الخامسة
عبد التواب يوسف موهبة مبدعة يمكنها أن تلتقط الومضات من الأحداث، بل من الهواء وتحولها إلى عمل إبداعي للأطفال في أشكال مختلفة؛ قصة، مسرحية، برنامج إذاعي، مقالة. هو شخصية فريدة، وتفردها من كونه مدركاً أن العمل بدأب النحل هو السبيل إلى تحقيق ما تريد، تتسم كتاباته بالوعي بالمراحل العمرية للطفولة فكانت اللغة والموضوعات وطريقة وأسلوب المعالجة تتناسب مع القدرات العقلية والنفسية لجمهور القراء. لا أذكر أن الرائد عبد التواب يوسف ذهب إلى مؤتمر، ولا مهرجان، ولا لجنة أو اجتماع إلا وهو مستعد ومعه مجموعة من المشروعات المتنوعة والمبتكرة. لا يكف عن العمل في الكتابة للأطفال إيماناً بأنهم جيل الغد، ولا أنسى صوته الذى يرن في روحي "هناك دول تتسابق إلى تنمية أطفالها أكثر من تسابقها إلى التسلح النووي"، وكلما اقتربت منه، وجدته نموذجاً تنحاز إلى فكره متمثلاً أسلوبه ومثابرته، وتتمنى اقتفاء أثره. أدين له بالفضل، فقد رأيت فيه روح المستقبل.
الإضاءة السادسة
وعلى مدار ثلاثة عقود من معرفتي بالرائد عبدالتواب يوسف، سواء في مشاركة في لجان بالمجلس الأعلى للثقافة، واليونسكو، ومكتبة الإسكندرية، والمسرح القومي للأطفال، ووزارة الشباب والرياضة، ومؤتمرات جامعية، يظل الرائد عبدالتواب يوسف منارة باسقة تطرح قيم الأصالة والمعاصرة في تناغم من خلال أعماله التي تقترب من ألف كتاب، وآلاف البرامج الإذاعية، ومئات المقالات، وعشرات رسائل الماجستير والدكتوراة التي تحلل مضمون أعماله الأدبية وتأثيره في الطفل المصري والعربي، وكان لي شرف المناقشة والإشراف على العديد منها، إنها بمثابة بذور مضيئة لمشروعات بحثية علمية نحتاج إليها في وطننا العربي.
أخذ على عاتقه إرساء قواعد مسرح الطفل

الإضاءة السابعة
ولأن جهده مخلص متميز؛ كانت الجوائز تذهب إليه. ومن أبرز الجوائز التي حصل عليها جائزة معرض بولونيا الدولي عن كتاب "حياة محمد في عشرين قصة"، وجائزة الدولة في أدب الأطفال 1975، مع وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى، وجائزة اليونسكو لمحو الأمية في العام نفسه، وجائزة أحسن كاتب للأطفال 1998، مع وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى، وجائزة الدولة التقديرية في أدب الأطفال 1981م، مع وسام الجمهورية من الطبقة الثانية، والميدالية الذهبية من اتحاد الإذاعات العربية، وجائزة الملك فيصل العالمية لأدب الأطفال.
الرائد عبد التواب يوسف شجرة منتصرة بتواضعه وعطائه وكرم ضيافته، وبالأجيال التي أثر فيها بكل ما هو جيد ومتميز. هذا الرجل شجرة منتصرة بأسرته الصغيرة المرموقة د. لبنى أستاذة الأدب الإنجليزي، والسفير هشام، والأديب الشاب عصام، وأسرته الكبيرة من الكتّاب والأصدقاء والزملاء في مصر والعالم العربي كرمز للتنوير الوطني، ومن هنا تظل روحه "شجرة منتصرة" على نيل مصر تزهر على العالم.
