هذه العلامات وغيرها تدل على أن الطفل يكون دائماً مستعدا لاستقبال وتعلم كل شيء بسهولة مهما تكن صعوبته. ولعل حديثنا عن التربية الرقمية، التي تعني استخدام التكنولوجيا وتسمح لكل فرد بالمشاركة الفعالة في مختلف مجالات الحياة وتأثيرها في الطفل سياسياً أو اجتماعياً وغير ذلك، يجعلنا نؤكد أن الأسرة بوصفها وحدة التربية الأولى أصبح عليها مسؤوليات تربوية إضافية بسبب استخدام أبنائها المتزايد للتطبيقات الرقمية في حياتهم اليومية، أو في واجباتهم المدرسية، أو في قضايا أخرى. لكن السؤال الأهم الذي يطرح هنا هو: ماذا لو لم يكن الأهل على معرفة ودراية بالمهارات الأساسية للتعلم الرقمي، كيف سيمارسون وظيفة المربي الرقمي مع أطفالهم؟
إن الأسرة هي "الدرع الحصينة"، كما جاء في "لسان العرب"، وهي جماعة اجتماعية أساسية ودائمة، ونظام اجتماعي رئيس، وهي ليست أساس وجود المجتمع فحسب؛ بل هي مصدر الأخلاق، والدعامة الأولى لضبط السلوك، والإطار الذي يتلقى منه الإنسان أول دروس الحياة الاجتماعية.
ونتفق جميعاً على أن وسائل الإعلام، وعلى رأسها الإنترنت، تلعب دوراً كبيراً في مجتمعاتنا، ونتفق أيضاً على أن الأسرة لها دور كبير - قد يزيد، وقد ينقص- في التأثير في دور هذه الوسائل؛ لذا فإنه من الضرورة بمكان تزويد الأسرة بالإجراءات والخطوات التي تساعدها على إكساب أفرادها - منذ طفولتهم المبكرة - مهارة التفاعل الواعي مع الإنترنت، بحيث يصبحون مؤثرين به أيضاً وليس فقط مجرد متأثرين.
مهارة التفاعل الواعي
من يراقب الأطفال وهم يشاهدون برامج جذابة استُخدمت فيها تقنية مُرضية من الصوت والصورة؛ يجدهم قد تجمعوا أمام الشاشة الرقمية، وفغروا لها الأفواه والأعين، حتى إننا لنحسبهم رقوداً وهم أيقاظ! لذلك؛ إن استطاعت الأسرة إكساب أطفالها مهارة التفاعل الواعي مع الإنترنت؛ فإنهم سيتمكنون من استخدام أدواته أفضل استخدام.
من دور الأسرة الحيوي ومسؤوليتها في هذا الزمن الذي وُسم بتدفق المعلومات: تدريب أطفالها من سن مبكرة (من الرابعة) على التحدث عن أثر وسائل الإنترنت وخطورتها، ويستمر هذا في جميع مراحل نموهم، حتى إن أصبحوا شباباً؛ صاروا قادرين بكفاءة على نقدها، وتحليل مضامينها، ثم يتمكنون بفعالية من استخدامها بنضج وذكاء؛ لإيصال أفكارهم وتطلعاتهم ونموذجهم الذي يمثلهم - فعلاً- إلى المجتمع؛ ليتحمل المجتمع مسؤولياته تجاه الشباب، ويساعده على تحقيق هذا النموذج.
التربية الرقمية في الأسرة هي عملية تعليم الأفراد، بخاصة الأطفال والمراهقون، كيفية استخدام التكنولوجيا بشكل مسؤول وأخلاقي. ولا تقتصر هذه التربية على تعليمهم كيفية استخدام الأجهزة التقنية فحسب، بل تشمل أيضًا كيفية التعامل مع المعلومات الرقمية، وحماية الخصوصية، والتفاعل بشكل لائق على المنصات الإلكترونية.
أهمية معرفة الأهل بالتكنولوجيا
من أصعب التحديات التي تواجه الأسر اليوم هي الرقابة المستمرة على استخدام أطفالهم للتكنولوجيا، فالأجهزة الذكية أصبحت في كل مكان؛ ما يجعل من الصعب على الأهل متابعة كل ما يفعله أطفالهم على الإنترنت.
كما أن بعض الآباء والأمهات لا يمتلكون المعرفة الكافية بالتكنولوجيا، وهذا يجعل من الصعب عليهم تقديم التوجيه المناسب لأطفالهم. إذا كان الأهل غير مدركين للمخاطر أو الإمكانات المتاحة عبر الإنترنت، فإنه يصبح من الصعب عليهم وضع حدود أو تقديم إرشادات فعالة. بخاصة أن وسائل التواصل الاجتماعي تؤثر بشكل كبير في الأطفال والمراهقين، وغالباً ما يتم استخدام هذه المنصات بطريقة غير آمنة أو غير صحية.
من المهم تحديد أوقات معينة لاستخدام الأجهزة الإلكترونية، بخاصة للأطفال. هذه الحدود تساعد على منع الإدمان الرقمي، وتوجه الأطفال نحو استثمار وقتهم بشكل أكثر إنتاجية. لذا يجب أن يكون هناك تواصل دائم بين الأهل والأطفال حول استخدام التكنولوجيا. على الأهل أن يسألوا أطفالهم بانتظام عن المواقع التي يزورونها، والأشخاص الذين يتحدثون إليهم عبر الإنترنت، وأن يناقشوا معهم المخاطر التي قد تواجههم.
في العادة تقوم الأسر بوضع ضوابط وقيود ومراقبة مستمرة على الاستخدامات الرقمية لصغار العمر، وأحياناً قد يصل الأمر إلى الحرمان منها بسبب جهل الأبوين بعملها والتخوف منها، وهو ما يسميه البعض "الإقصاء الرقمي والاجتماعي المستحدث" فكل شيء تقريباً يعمل اليوم ويسير ويتحرك بواسطة الإنترنت وتكنولوجيا المعلومات.
يمكن للوالدين حماية خصوصية أطفالهم في العالم الرقمي، فإنهم قد يفهمون ماهية التكنولوجيا، ولكنهم ليسوا على دراية بتوابعها مثل إدراج محتوى على شبكة الإنترنت. ويمكننا إيجاد أوساط آمنة للأطفال على شبكة الإنترنت، إلا أنه يجب على الأهل والمعلمين تعليمهم مهارات استخدام تلك الوسائط بشكل آمن، ذلك أن التحام الطفل بالثقافة الرقمية أصبح التحاماً وثيقاً، ولأن هذه الثقافة في تطور سريع وتقدم يومياً مكتسبات جديدة فإنه يجب أن تُذلل له طريق لبناء المفاهيم، فيتجاوز بذلك الحدود الجغرافية المكانية والزمنية مع التنويع في معلوماته، فعالم الثقافة الرقمية مفتوح أمامه على مصراعيه، والإنترنت يسهل الحصول على المعلومات حول جميع المواضيع. لذا يستفيد الأطفال والراشدون إلى درجة كبيرة من الرقمية، إضافة إلى كونها وسيلة ترفيهية رائعة.
ومن خلال نسبة الأطفال الذين احتكوا بهذا العالم الافتراضي احتكاكاً إيجابياً، اتضح تنوع معارفهم، فهم غير مرتبطين بحقل معرفيّ واحد، وهذا التنوع قد سمح بخلق جو من الحيوية والنشاط، لكن اتضح أن التربية الرقمية لا تقوم على الطفل فقط، بل تتأسس مع الوالدين، اللذين يعيشان أيضاً عصر الرقمية، فإذا أسس معارفه الأولى من الثقافة المكتوبة، فعليه أن يطور معارفه هذه ويُنوعها من خلال تواصله مع جديد الثقافة الرقمية، فالعصر الرقمي قاد المجتمعات إلى تطورات كبيرة في مجالات مختلفة.
وتشير التربية الرقمية إلى المعايير السلوكية المناسبة والمقبولة المتعلقة بالتكنولوجيا، وهي تهدف إلى توجيه وحماية المستخدمين في العالم الرقمي من خلال تشجيع السلوكيات الإيجابية ومحاربة السلوكيات الضارة، من أجل بناء مواطن واعٍ يقدّر نفسه ومجتمعه ووطنه، مع الالتزام بالقيم والعادات والتقاليد التي يمثلها المجتمع الحقيقي بعيدًا عن العالم الرقمي الافتراضي.

- العصر الرقمي قاد العالم إلى تطور كبير في مجالات مختلفة ولكن....!
- التربية الرقمية أن تعزز وفرت العدالة بين الأفراد، بغضّ النظر عن مستوياتهم الاقتصادية والاجتماعية
تعزيز الذكاء العاطفي والاجتماعي
التربية الرقمية تعزز الوعي الذاتي، وتساعد الأفراد على فهم أنفسهم في العالم الرقمي، من خلال تعلم تنظيم سلوكياتهم وضبطها بما يتماشى مع القيم الأخلاقية. كما أنها تنمي التفكير النقدي؛ حيث تسهم في تعزيز مهارات تحليل المعلومات عبر الإنترنت، ما يساعد الأفراد على التمييز بين الحقيقة والتضليل، ويعزز قدرتهم على اتخاذ قرارات مستنيرة.
كما أن التربية الرقمية تعزز الذكاء العاطفي والاجتماعي؛ حيث تركز على تطوير مهارات التواصل الفعال والاحترام في التفاعلات الرقمية، ما يعزز التعاطف والتفاهم بين الأفراد ويقلل من النزاعات الرقمية. وتعلم التربية الرقمية الأفراد تحمل المسؤولية عن سلوكياتهم الرقمية، مثل تجنب التنمر الرقمي واحترام حقوق الملكية الفكرية؛ ما يعزز الوعي الأخلاقي والضمير الاجتماعي.
إن التعامل مع الإدمان الرقمي وضبط الوقت يأتي من خلال مساعدة التربية الرقمية الأفراد على تجنب الإفراط في استخدام الأجهزة الرقمية، وإدراك تأثيراتها السلبية في الصحة النفسية والجسدية؛ ما يعزز قدرة الأفراد على إدارة وقتهم بشكل متوازن. كما تعزز الإبداع والمشاركة المجتمعية؛ حيث تحفز الأفراد على استخدام التكنولوجيا بشكل مبدع للإسهام في تطوير المجتمع، ما يعزز شعورهم بالإنجاز والانتماء، وتحفز الأفراد على استخدام التكنولوجيا بشكل مبدع للإسهام في تطوير المجتمع؛ ما يعزز أيضاً شعورهم بالإنجاز والانتماء.
لقد استطاعت التربية الرقمية أن تعزز عدالة الفرص بين الأفراد، بغض النظر عن مستوياتهم الاقتصادية والاجتماعية؛ فهي تتيح للجميع الاستفادة من بيئة تعليمية مفتوحة ومرنة، ما يساعد الأفراد على التعبير عن مهاراتهم بحرية أكبر. من خلال التربية الرقمية، يمكن للأشخاص الاطلاع على إبداعات وتجارب الآخرين؛ ما يشجعهم على عرض إبداعاتهم الخاصة، ويسهم في كسر القيود النفسية والاجتماعية التي قد تحد من طموحاتهم.
إضافة إلى ذلك، تساعد التربية الرقمية على تعزيز الثقة بالنفس، خصوصاً لدى الأطفال الذين يعانون من إعاقات نفسية أو جسدية، أو أولئك الذين يخشون الاحتكاك المباشر مع الآخرين خوفاً من التنمر. والنجاح في البيئات الرقمية يشجع هؤلاء على تجاوز مخاوفهم وبناء ثقة أكبر بأنفسهم؛ ما ينعكس إيجابياً على صحتهم النفسية.
ومن المعروف أن الأسرة تلعب دوراً أساسياً في بناء الإنسان وتكوين شخصية الطفل، حيث أكدت العديد من نظريات علم النفس على أهمية السنوات الخمس الأولى من حياة الطفل في تشكيل شخصيته من خلال علاقته بوالديه، والتربية ليست مجرد نقل للمعرفة، بل هي عملية شاملة تهدف إلى تنمية جميع جوانب الفرد: العقلية، والوجدانية، والاجتماعية، والجسدية. كما أن الأسرة تُعنى بتنشئة أبنائها على القيم الدينية، والأخلاقية، والاجتماعية، لذا من الضروري أن يكون الأهل على دراية بالتقنيات الرقمية الحديثة وكيفية استخدامها؛ فهذا يساعد الأبناء على التصرف بمسؤولية على الإنترنت، واحترام حقوق الآخرين، والإسهام الإيجابي في المجتمع الرقمي.