ومن هنا وإذا كان الإبداع هو جوهر الكتابة الصحفية لكونها تتعلق بإعادة استكشاف الواقع، والكشف عما نجهله، أو استكشاف الخطأ فيما نراه عاديا، أو إضافة الجديد لما قتل بحثا، أو الشجاعة في انتقاد الموروث المكرس للضعف، إلى جانب الموضوعية والتوازن في توضيح الجوانب المشرقة والمظلمة داخل كل صورة جميلة، لأن الكمال لله. لذا فإن الصدمة الأولى تمثلت في أن الأطفال وعلى عكس الكبار لا تبهرهم المعلومات الكثيرة التي يفتخر بها أي مدرب، ويصيبهم الملل السريع حال وجود شرح توضيحي لأي فن من الفنون، أو للقيم المهنية، وتحدث المفاجأة حين تعقد اختباراً فجائياً فلا تجد مردود الساعات الطويلة المبذولة في إعداد المادة وشرحها وتبسيطها، وهو أمر لا يحدث مع الكبار نهائياً.
هنا، تتحتم معرفة أن استجابتهم مقرونة بخمسة أشياء: وهي اللعب والمشاركة الجماعية والقصص التي يتم توظيفها والمكافأة والرحلات، إلى جانب الإكثار من الأساليب التدريبية المعنية باستثمار القدرات الفكرية والتحليلية، كالعصف الذهني، والمحاكاة والنماذج، والمناظرة بين طفلين حول موضوع صحفي، ولعب الأدوار، والمساءلة.
ومن المهم هنا، معرفة طبيعة الأطفال وثقافتهم، ولهذا قام صديقي الأديب شعبان المنفلوطي مدير المركز السابق، بممارسة إحدى الألعاب الحركية الملائمة لأطفال القرى، ليطالبهم بالوقوف حوله على هيئة دائرة، ثم يبدأ سرد قصة لشخص غامض لا أحد يعلم سبب متاعبه الصحية، ويطلب من كل طفل وطفلة أن يمثل اتجاهه ونظرته حين وقع صريعًا. بالطبع، على أن لا يعمد طفل إلى تكرار ما فعله الأطفال الآخرون في الصوت والحركة، وهنا كان كل طفل يجتهد ليفكر في طريقة لم ينفذها زميله حتى يتجنب خسارة اللعبة، ويضاف إلى ذلك الألعاب الشيقة المعروفة كالكرة وحل الألغاز، بل حتى ألعاب الكبار، كرسم عشرين دائرة وطلب تخيل ماذا يمكن أن تكون من أشياء كطوق وإطار سيارة وقمر...إلخ.
المشاركة الجماعية
أما المشاركة الجماعية، سواء في الممارسة التدريبية أثناء الورشة، أو ممارسة لعبة، فهي مفيدة للغاية، خصوصاً عندما يتم الدمج بين أطفال لا يعرفون بعضهم، لأنها ستعمل على رفع مستوى الطفل الأقل، وكذلك تعمد إلى تنمية قدراتهم الشخصية، إلى جانب غرس سلوك التشاور واحترام الآخر، وبالطبع لا بد من أن يتابع المدرب التجاوزات ليضبطها.
بينما يتعلق جانب تحضير أفكار القصص بمجالين، قصص جاهزة وملائمة، وقصص يمكن استكمالها معًا، بمعنى السرد الجماعي للقصة.. على سبيل المثال؛ أبدأ سرد حكاية قط خرج للتنزه، ثم حدثت مفاجأة، وأترك لكل طفل أن يؤلف ما حدث من نسج خياله، ويكمل زميله ذلك، وببعض التعود يعتاد الطفل ألا يغلق القصة ويضيف إليها جانباً شيقاً ومثيراً ومدهشاً.
في حين أن المكافأة التي ينتظرها الطفل لا تتجاوز قطعة حلوى ملونة، "بنبوناية جميلة"، وربما هي حال الطفل في كل مكان، ولكن ينبغي في الوقت ذاته محاولة التوسع بالمكافآت قدر الإمكان، إلى جانب وجود مكافأة للجميع، تشتمل من لم يشارك، وفي ذلك كان يتم توزيع أعداد من مجلة "العربي الصغير" الكويتية، لتضمنها محتوى شيقاً وجذاباً يلائم الجميع، إلى جانب ثراء محتواها الفكرى والثقافي.
وكان اللافت للنظر، أن الأطفال في القرى عادة لا تصل إليهم صحف الطفل، وبهذا استثمرنا توزيع أعداد من مجلة "العربي الصغير" لتحديد مدة أربعة أيام لقراءتها ومناقشتها، وبالفعل فوجئت بأن 90% نفذ المهمة وكانت بالنسبة إليهم فتحاً كبيراً، لأن الطفل يحب أن يذكر رؤيته التحليلية لمقالة أو قصة أو موضوع أعجبه، وبذلك تستهويه الكتابة بشكل أكبر.

أما الرحلات، فقد رأت "جمعية أصدقاء أحمد بهاء الدين" أن تكون مسايرة للتدريب، وبالتالي نظمت رحلة لتليفزيون شمال الصعيد بالمنيا، وهنالك انبهرت المخرجة والمذيعة بمستوى الأطفال وقدرتهم على الحوار والمناقشة، وفهمهم للإعلام رغم كونهم في المرحلة الابتدائية، واستمتعت بمواهبهم ومنها مواهب في الغناء أيضًا، فالفنون تتلاقى.
والأكثر دهشة بالنسبة لي، أن الأطفال لديهم استعداد كبير للغاية تجاه ممارسة فنون السرد الصحفي، بل لديهم قدرة عجيبة على اكتشاف الخلل في بيئاتهم المحلية أو انتقاد ما لا يعجبهم، أو التوصل إلى أفكار ربما لا يفكر فيها الصحفي الكبير، ويمكنك أن تندهش مثلي حين ترى طفلة تكتب لي عنواناً صحفياً لافتاً "محاكمة المحكمة" وذلك في احتجاجها على ممارسة بيئية لم تعجبها تمت في إحدى المحاكم، أو تشاهد طفلاً آخر يكتب عن سوء تعامل التجار، أو حفر المشروعات القومية ومخاطرها على حياة البسطاء، أو الوساطة والفساد أو الاعتقاد بوجود العفاريت، أو مشكلات التنقيب بحثا عن الآثار غير الموجودة، أو غياب الإنارة عن بعض المناطق، والبعض يكشف عن بيت له حكايات مهمة، وآخر يستهويه الترويج للسياحة، وطفل يتناول معاناة المزارع، وغيرها من أشياء.
ورأينا حجم قدرات الأطفال في التدريبات الميدانية، كأثناء مقابلة رئيس الوحدة المحلية أو مدير مركز التأهيل، فقد كان المسؤولون في غاية الانبهار من وجود أطفال يسألون ولا يكتفون بأخذ الإجابة المعطاة لهم، ولكن يتناقشون في الإجابة للتحقق من مدى شموليتها ومصداقيتها ودقتها، أي ما نسميه في الصحافة بالرغبة في الوصول للكتابة المتعمقة التي لا تجعلك تتساءل أو تبحث بعد القراءة، لأنها تستهدف الوصول إلى الحقيقة الكاملة وبشكل موضوعي. إلى درجة أن سكرتير الوحدة دمث الخلق، ورئيس الوحدة المحلية بشخصيته الجميلة والودودة أصرا على منح الأطفال أرقام هواتفهما الشخصية لإبلاغهما بأي خلل أو مشكلة، أي معاملتهم كأنهم صحفيون كبار، وفي حقيقة الأمر والمدهش أن الأسئلة هي "ابنة الأطفال" فلم يتم توجيههم، بناء على مستهدفات البرنامج التدريبي بأن نصل بالطفل إلى مرحلة الاستقلالية والوعي؛ أن يدرك الطفل طبيعة المسؤولية الصحفية والأسئلة التي يمكن توجيها، فضلاً عن كيفية الوصول إلى هذه التساؤلات بالاستناد إلى أرقام أو وقائع أو مشاهدات حية ومتحققة لديهم، وليس بناءً على ما يثار أو يسمع أو يكتبه شخص في وسائل التواصل الاجتماعي، لأن الموضوعية تقتضي أن نحارب جاذبية ميولنا واهتماماتنا وانتمائنا لأجل الحق والوطن.