تُعد الهوية الجنسية بمثابة ظاهرة سيكولوجية متعلقة بالسلوكيات المرتبطة بالجنس. ولعملية التنشئة الاجتماعية دور مهم في ذلك الأمر، قد لا يكون من السهل مواجهة فكرة أن تصرفاتنا أو معتقداتنا قد تؤثر في مشاعر أطفالنا بشكل أعمق مما نتوقع. في بعض الحالات، نجد الآباء يكافؤون السلوك الذي يرونه مناسباً لجنس طفلهم ويعاقبون الاستجابات التي يرونها غير مناسبة، وعلي النقيض نجد من الآباء من يبالغ في إقامة الفروق بين سلوك البنت والولد، فيضعون حدوداً شديدة بين نشاط الذكر ونشاط الأنثى. مثل هذا التعنت يجعل من المتعذر على الصغار أن يعيشوا أفراداً صالحين ينتمون إلى أحد الجنسين. وعلى الجانب الآخر قد نجد بعض الاَباء يشجعون بناتهم على أن يرتدين ملابس البنين وأن يلعبن مثلهم، كما قد يترك شعر الولد مرسلاً ويرتدي ملابس البنات ويُمنعون من اللعب مع غيرهم من الصبية، هنا ينمو لديهم شعور بالضيق، وضعف الثقة بالنفس عند وجودهم مع أفراد من جنسهم، مع شعور بعدم الانسجام مع الجنس الذي وُلدوا به، وشعورهم بانتمائهم إلى الجنس الاَخر، وهذا ما يطلق عليه "اضطراب الهوية الجنسية"، الذي ينشأ لدى الطفل نتيجة للضغوط النفسية أو التوقعات العالية التي قد نضعها من دون أن ندرك، هنا يشعر الطفل بصراع داخلي بين رغبته في إرضاء من حوله واكتشاف هويته الحقيقية.
الهوية الجنسية المضطربة تؤدي إلى إثارة مشكلات قد تكون مؤثرة ومهمة تعترض وتعطل نشأة الشعور بالنفس والرضا عنها؛ ما يعرض الطفل للوقوع في مشاكل وصراعات وأزمات تحد من عواطفه ومشاعره النفسية في المستقبل. كما أن هؤلاء الأطفال قد يتعرضون لتجارب مؤلمة في حد ذاتها، كتعرض الطفل للسخرية وعدم القبول من قبل الأقران والمعلمين.
المستقبل امتداد للماضي
في البداية، يجب أن نتحدث عن أن تحقيق الهوية الجنسية هو تحديد الفرد لمن يكون، وما سيكون، بحيث يكون المستقبل المتوقع منه هو امتداد واستمرار لخبرات الماضي، وخبرات الماضي متصلة بخبرات الحاضر، لذا فإن تحديد الهوية الجنسية يرتبط بتحديد نوع الجنس الذي ينتمي إليه الفرد، ذكراً أو أنثي، وتتحدد سلوكياته المستقبلية في ضوء امتداد خبرات الماضي والحاضر، لذا فإن اضطراب الهوية الجنسية أو عدم تحديدها يرتبط بخبرات الفرد وأنماط سلوكه الماضية.
يتلخص اضطراب الهوية الجنسية في رفض الطفل لجنسه، وعدم قبوله، وتعريف نفسه بأنه من الجنس الآخر؛ فبدلاً من أن يقوم الطفل الذكر بدور وسلوك يتفق مع تكوينه، نجد لديه شعوراً دائماً بعدم الارتياح، وعدم القبول لدوره، وشكله الخارجي الذي يراه الناس، ويعتبر نفسه أحد أفراد الجنس الآخر رغم أن الجميع يتعرفون عليه بأنه من الذكور، كل الدلائل تشير إلى ذلك، ويحدث العكس بالنسبة للأنثى.
بداية الاضطراب ومساره: يتم التعرف إلى جنس المولود، سواء كان ذكراً أو أنثى، وفقاً لأعضائه التناسلية لحظة ميلاده، ويختار الوالدان اسماً مناسباً لنوع المولود، ويتمنون أن يسلك مسلك الأولاد أو البنات، كل هذا تبعاً لما يتوقعه المجتمع لهذا الأمر، وسرعان ما يكتسب الأطفال السلوكيات المناسبة لجنسهم التي يتوقعها المحيطون بهم. ويتم إرساء أساسيات الهوية الجنسية، ويبدأ تشكلها في العام الثالث من العمر، ويتم تثبيت تلك الهوية على نحو نسبي بعد ذلك، فالولد والبنت يبدآن بهوية جنسية أنثوية، ولكون الأم أنثى ترتبط بها البنت أكثر من الولد، وتندفع معها، ويبتعد الولد لأنه يختلف عن البنت، وتتجه البنت لإنشاء علاقات مع الآخرين؛ ما يجعلها أكثر استعداداً لأن تصبح أماً، ويتجه الولد نحو تكوين هوية جنسية ذكرية. ولو عامل الوالدان نجلهم على الدوام على أنه ولد أو على أنه بنت فسوف يتقمص هوية جنسية ثابتة، ولو تم تأجيل هذا القرار سيعاني الطفل من اضطرابات في الهوية الجنسية، ولن يكون راضياً عن جنسه، سواء كان ذكراً أو أنثى.
ويبدأ اضطراب الهوية الجنسية عادة في أثناء مرحلة الطفولة المبكرة قبيل سن الرابعة وحتى السابعة من العمر. الأساس في تشخيص هذا الاضطراب أن يحدث قبل سن البلوغ ، يعتبر اضطراب الهوية الجنسية لدى الأطفال منتشراً إلى حد ما، ويكثر في العيادات النفسية بين الأولاد عنه بين الإناث. ولكن يصبح تشخيص الحالة لدى الإناث أصعب منها لدى الذكور، ربما لعوامل استنكار المجتمع لتخنّث الولد، وتحمّله خشونة البنت، وغالباً ما ينظر إلى خشونة البنت نظرة تقترب من الطبيعة.
الاضطراب ومظاهره: يتجلى الاضطراب في التوحد مع الجنس الآخر من خلال عدة مظاهر؛ منها تعبير الطفل عن رغبته المتكررة وإصراره علي أنه (هو/هي) من الجنس الآخر. كما تظهر في تفضيل الأولاد الذكور لملابس الإناث أو محاكاتهم، وتقليدهم للزينة ولدى الفتيات يكون الإصرار على لبس الملابس الذكرية النمطية. كذلك تفضيل قوي ومستمر لأدوار الجنس الآخر في ألعاب الأطفال، ووجود تخيلات مستمرة بأن الفرد من الجنس الآخر. كذلك الرغبة الشديدة في المشاركة في الألعاب النمطية المميزة للجنس الآخر، وقضاء أوقات الفراغ في أنشطة خاصة بالجنس الآخر. كما تظهر في التفضيل القوي لرفاق اللعب مع الجنس الآخر؛ فالبنات المصابات بهذا الاضطراب لهن رفاق من الأولاد، ويفضلن ممارسه الرياضة الخشنة، ولا يُظهرن اهتماماً باللعب بالعرائس (الدمى) ويلعبن دور الرجل في لعب الأطفال.
أما الأولاد المصابون بهذا الاضطراب فهم عادة منشغلون بأنشطة وأفعال الإناث التي يقمن بها في حياتهن اليومية، ويفضلن ملابسهن، ولديهم الرغبة في مشاركة البنات لعبهن، ودمى الإناث هي المفضلة لديهم في اللعب. وعند اختيار دور في الأسرة في أثناء اللعب التمثيلي يختار الطفل دور فتاة، كما يتجنب اللعب الخشن القائم على العنف، ويرفض اللعب مع مجموعه الذكور.
كما يمكن أن يشبه المظهر الجسمي للطفل مظهر الجنس الآخر شبها وثيقا؛ فمثلاً تكون البنت ذات مظهر يجعل الآخرين يحسبونها ولداً في طفولتها المبكرة، أو أن يكون للولد ملامح ناعمة، جذابة، وأن تظهر لديه مظاهر الجنس الآخر في تعبيرات الوجه، والإشارات، والصوت، وأن يجد الطفل صعوبة في إخفاء هذه التصرفات حتى لو واجه النقد الاجتماعي الشديد. كما يمكن أن يعبر الولد عن تفضيله للجنس الآخر ورغبته في أن يكون بنتاً بالقول؛ مثل "أنا بنت" "أرغب عندما أكبر أن أصبح أماً".
"الأولاد يقلدون البنات في التزين.. والبنات يلبسن ملابس الأولاد!"

ما الأسباب؟
ربما يتبادر إلى الأذهان سؤال: ما الأسباب التي تؤدي إلى إحداث اضطراب الهوية الجنسية؟ قد تبين أنه من الصعب إيجاد سبب واضح له، بل تكون الأسباب عادة كثيرة، كما نجد ارتباط بينها؛ فلا مناص أمامنا – إذاً - من استعراض مجمل العوامل التي يُتوقع أن تؤثر في ظهور الاضطراب الذي يعزى في المقام الأول إلى عدة عوامل:
العوامل البيولوجية: يعتقد أنه خلال الفترة من الحمل يتطور دماغ الجنين في اتجاه الذكور من خلال العمل المباشر من هرمون التستوستيرون على تطوير الخلايا العصبية، أو في الاتجاه الأنثوي من خلال عدم وجود هذه الطفرة الهرمونية، ووفقاً لهذا المفهوم تتبرمج هويتنا الجنسية بأننا لا نزال في الرحم، فالتمايز الجنسي للأعضاء التناسلية يحدث في أول شهرين من الحمل، والتمايز الجنسي للدماغ يبدأ في النصف الثاني من الحمل، يمكن لهاتين العمليتين أن تتأثرا بشكل مستقل؛ ما يؤدي إلى تغيير الجنس.
وقد وضع العلماء روابط بين تأثيرات الهرمونات التي تفرزها المرأة قبل الولادة وتكوين الهوية الجنسية؛ حيث تؤدي اضطرابات الغدد الصماء إلى ارتفاع نسبة هرمون التستوستيرون أو الأستروجين، ويتسبب هذا في إضفاء صفات الذكورة على جنين مؤنث أو العكس، كذلك فإن إعطاء الأم هرمونات غير ملائمة في أثناء فترة الحمل وقبل الولادة قد تكون سبباً في حدوث هذا الاضطراب، فمثلاً طفل ذو أعضاء تناسلية ذكرية قد يحمل كروموسومات، وغدداً، وهرمونات أنثوية، أو طفلة ذات أعضاء تناسلية أنثوية قد تحمل كروموسومات، وغدداً، وهرمونات ذكرية.
العوامل النفسية هناك ثلاثة مفاهيم أساسية نفسية تكون بمثابة القاعدة الأساسية لدراسة اضطراب الهوية الجنسية. المفهوم الأول وهو التنميط الجنسي، ويكون بمثابة المعتقدات السائدة عن الذكور والإناث، وهو العملية التي يكتسب من خلالها الفرد القيم، والاتجاهات، والمعتقدات وأنماط السلوك المناسبة للجنس الذي ينتمي إليه".
أما المفهوم الثاني فهو الأدوار الخاصة بالنوعين، أو ما يسمى "الدور الجنسي"، وفيه يتعلم الأطفال أن العالم مقسم إلى ذكور وإناث، وأن هناك أدواراً محددة للذكور تختلف عن أدوار الإناث.
أما المفهوم الثالث وهو التوحد، فيبدأ في فترة ما قبل المدرسة من سن الثالثة حتى السادسة، وفيها تتميز هذه المرحلة بنمو وعي الطفل بالاستقلال، وتتغير علاقته بوالديه، ولا يوجد نمط أو وقت يمكن توقعه لهذه التغيرات، لكنها تحدث نتيجة محاولة الطفل أن يكتشف المزيد عن مدى اختلافه عن والديه، وقد يكرس الكثير من طاقاته ليكتشف كيف يصبح ملك نفسه، فقد يجرب غالباً كونه شخصاً يشبه والديه فقط بمحاكاة ما يفعلانه، فيقيس ملابس أبيه، يعمل داخل المنزل ويتحدث بنبرة صوته أو يمثل دور الأب في لعبة خيالية مع رفقاء لعبه. وفي بعض الأحيان يظهر الطفل تفضيلاً لأحد والديه عن الآخر، فمن المحتمل أن يتشبث بوالدته ويبتعد عن والده، أو يُحتمل أن يتصرف كما لو كانت والدته مواطنة في المرتبة الثانية مقارنةً بوالده، فهي الوجه الخفي للنوع، وتتعلق بإدراك الذات بشكل نسبي، سواء كانت ميزاته تميل نحو الذكورة أو الأنوثة.
"احذري.. تناولك هرمونات غير ملائمة في فترة الحمل تسبب اضطراب المولود جنسياً"

العوامل البيئية والاجتماعية: ولها من دور كبير في تحديد الهوية الجنسية واضطرابها، فكل من التنشئة الاجتماعية والمناخ الثقافي يسهم في خلق العديد من صور الاضطرابات النفسية والسلوكية؛ فمثلاً لنفترض أن هناك صبياً صغيراً تبدو عليه بعض مظاهر الأنوثة والنعومة، هذا الصبي قد سمع أشخاصاً في البيئة المحيطة به يصفونه بأنه أنثى أو شكل الأنثى، هذا الكلام سوف يجعله منتبهاً إلى البنات، ومن ثم يميل إلى تقليدهن، إضافة إلى العديد من العوامل الاجتماعية التي تساعد على تطور هذا الاضطراب.
أساليب العلاج
غالباً ما يقوم أولياء أمور الأطفال الذين يعانون من اضطراب في الهوية الجنسية بعرضهم على اختصاصي نفسي، فيحاول علاج حالة عدم انسجام الطفل مع الجنس الذي ولد به ووضع حد للعلاقات المتوترة السائدة مع والديه وأقرانه. ومن أهم ما يقوم به المعالج النفسي هو إتمام عملية التوافق بين الهوية الجنسية وجنس الطفل الفعلي، والتي يجب أن تكون ملائمة للبيئة والتنشئة والثقافة، وذلك من خلال العلاج الإكلينيكي، وإعادة تأسيس وبناء هذه الهوية الجنسية الحقيقية. ويمكن أن يقام البرنامج العلاجي بناء على مجموعة من الأسس المهمة، التي قد تسهم في علاج اضطراب الهوية الجنسية عند الأطفال.
علاقة أوثق
يجب تطوير علاقة أوثق مع الوالد من الجنس ذاته؛ لكي ينمو التوحد المناسب لدى الطفل، فعلى الوالد من الجنس ذاته أن يقضي وقتاً أطول مع الطفل، وأن يقدم نموذجاً للتصرفات المناسبة. يحتاج الطفل والوالد إلى أن يقضيا ساعة أو ساعتين في الأسبوع معاً بمفردهما، وأن يقوما بنشاطات مشتركة يميلان إليها، مثل الألعاب الرياضية. وإذا لم يكن الأب من الجنس ذاته موجوداً لسبب ما، ينبغي البحث عن نموذج دور بديل من بين الأقارب أو الأصدقاء أو المعلمين، ليقوم بدور النموذج. كما يجب على الآباء أن يكونوا متيقظين لضرورة تطمين الولد الصغير بأنهم "سعداء لأنه ولد" وتطمين البنت الصغيرة بأنهم "سعداء لأنها بنت"
تواصل مفتوح ومستمر
على الاَباء تشجيع أطفالهم على التعبير عن مشاعرهم وأفكارهم بحرية من دون خوف من الأحكام، مع تجنب النقد أو السخرية والاستماع إلى الطفل بجدية وتعاطف من دون مقاطعة، والسؤال عن مشاعره بطريقة تدعمه وتساعده على الثقة بالنفس.
تعزيز سلوك النمط الجنسي المناسب
ينبغي على الوالدين أن يمتدحا الطفل ويشجعاه في كل مرة يقوم فيها بسلوك مناسب لجنسه، وينبغي أن تستخدم في الثناء التعبيرات الذكرية أو الأنثوية المناسبة لجنسه، فمثلاً: يقال للولد "إنك ولد ممتاز.... سوف تصبح رجلاً قوياً عندما تكبر". كما يمكن للوالدين أيضاً أن يضعا نظاماً للنقاط، كأن يضعا للولد خمس نقاط على لوحه خاصة عندما يتصرف تصرفاً ذكرياً، كأن يلعب بألعاب الأولاد، ويمكن أن يقوم باستبدال شيء يحبه أو نشاطات يحبها بعدد معين من النقاط. وبعد أسابيع قليلة من تطبيق هذا الأسلوب، يمكن للوالدين أن يضيفا شرطاً جديداً، فإضافة إلى اكتساب النقاط تبعاً للسلوك الذكري سوف تكون هناك غرامات على السلوك الأنثوي، وبهذه الطريقة يمكن تخفيض السلوك الأنثوي لدى الأولاد تدريجياً، وكذلك الأمر بالنسبة للبنات.
التعبير عن عدم الرضا
ينبغي أن يتم التعبير بوضوح عن استهجان السلوك غير المناسب للجنس، كما على الوالدين إعطاء الطفل معلومات محددة حول ما يعتبر ميولاً أنثوية أو ذكورية.
الإبدال: يمكن اقتراح نشاطات بديله للتعويض عن الميول الأنثوية عند الولد، أو الميول الذكورية عند البنت.
كذلك توجيه الوالدين لتصحيح دورهما في السلوك الذي ينتهجانه مع الطفل. وعرض الطفل على طبيب مختص لتأكيد هوية الطفل وإقناعه بنوع جنسه. وفي النهاية يجب أن يتماشى البرنامج العلاجي مع رغبات الوالدين، والعرف الاجتماعية السائد، والتوقعات الثقافية للمجتمع الذي تعيش العائلة في كنفه ووجهات نظر مختصين آخرين كالأطباء.
ولحماية المجتمع من التحرش من الواجب أن يزرع الآباء الحياء في الأبناء، وضرورة التفاهم مع الأطفال، والنصح والإرشاد وسماع آرائهم ومشكلاتهم، وعدم الثقة بالآخرين بشكل مفرط، ما قد يتسبب في تعرض الكثير من الأطفال للتحرش الجنسي من خلال الأشخاص الموثوق بهم. كما يجب زرع الثقة في نفس الطفل حتى يتخطى أي محنة يتعرض لها. وتربية الأبناء على نبذ العنف وعلى خصوصية أجسامهم. ولا يجوز ترك الطفل مع الأغراب، أو الأقارب، ومتابعته في أي مكان يُترك به، وإشعاره الطفل بالتقارب بينه وبين والديه وأسرته، وكذلك مده بالثقافة الجنسية اللازمة، التي تحميه من التعرض للتحرش الجنسي.