تدور الحوارات يومياً في كل لقاء مباشر أو في وسائل الإعلام المختلفة، وأيضاً في مواقع التواصل الاجتماعي، حول شكوى أغلب الأمهات من أن أولادهن لا يتناولون كمية كافية من الغذاء، لاسيما في أثناء اليوم الدراسي "إنهم لا يكفون عن اللعب، ولا يأكلون ما يتناسب مع هذا المجهود" وتصبح الأم قلقة للغاية بخصوص كمية العناصر الغذائية التي يحصل عليها أطفالها، وتخاف من تأثيرات الوجبات السريعة التي يحبونها ويتناولونها بكثرة.
إنهن معذورات في شكواهن، ولكن عليهن أولاً أن يسألن أنفسهن: لماذا يترك الأطفال في سن المدرسة وجبة الطعام حتى التي تقدمها لهم المدرسة فلا يأكلون منها المفيد بالفعل ويقبلون على الضعيف منها فقط؟
إن الطفل البالغ من العمر 8 سنوات، يخرج في الصباح ويعود في الرابعة والنصف مساءً، غالباً لا يأكل الطعام الذي تعده الأم له للإفطار في المدرسة؛ حيث يأكل قطعة الحلوى التي تعطيه إياها، وقد يعود بالفاكهة أو الخضراوات التي تضعها له، ويأكل الوجبة الأساسية في المدرسة مع أقرانه. وربما هناك من لا يهتمون بما يأكله الأطفال فهم يضعون لهم الصحون وليأكل الطفل ما يشاء ويترك ما يشاء، بل إن الأسوأ مثلاً أن الطفل يأخذ صحنه ويأكل منه المكرونة فقط ويترك الخضراوات واللحم والسلطة، ويتركه المشرفون على الطعام في المدرسة، ثم يعود إلى المنزل ليأخذ صحناً آخر من المكرونة فقط، ويأتي في المساء وقد شبع بالطبع، وقد لا يتناول طعام العشاء إن لم يعجبه لا يأكل، وربما ترفض بعض المدارس فكرة أن يأتي الأطفال بطعامهم من البيت.
ومن المعروف أن في بعض دول الغرب تأتي فكرة المطعم المدرسي لتعويد الأطفال احترام الممتلكات الخاصة والعامة، وتدريب التلاميذ على التعايش مع الآخرين ومشاركتهم في مأكلهم بآداب يتعلمونها، كما يسهم في تعليمهم مبادئ التغذية الصحية وخطورة نقص أو زيادة أي عنصر غذائي، وتعلمهم مهارات المعاملة، واكتساب سلوك النظام والانضباط، والإحساس بقيمة نعمة الطعام بعدم رميها أو تبذيرها، وإحساسهم بأطفال في العالم حُرموا منها، وبه يتعلم الأطفال التروي في الإنفاق للتماشي مع الوضع الاقتصادي من خلال الحصول على وجبة متوازنة غذائياً بثمن مقبول، والطفل هو همزة وصل بين الأسرة والمدرسة، فيمكنه نقل هذه الثقافة إلى أسرته، فكم من أم تسأل طفلها: ماذا أكلت اليوم بالمدرسة؟
لكن للأسف هذه الفكرة قد تم تطبيقها بشكل خاطئ في الكثير من الدول العربية، من دون الالتزام بالضوابط الصحية السليمة.
"هــل سـألـتِ نـفـسـك: لـمـاذا يــتــرك الأطـفــال
وجبة الطعام حتى التي تقدمها لهم المدرسة؟"

طعام صحي ومتوازن
من هنا تأتي أهمية تقديم وجبات طعام صحي ومتوازن للطفل، تمده بالفيتامينات والعناصر الغذائية التي يحتاج إليها الجسم خلال مراحل النمو، كما أن الغذاء الصحي يكسب الطفل مناعة ضد أمراض الشتاء.
ولتحقيق النتائج المرجوة: يجب أن يستيقظ الأبناء مبكراً حتى يكون لديهم وقت للقاء دافئ على طاولة الإفطار في الصباح، فالجسد يمتص ويستفيد جداً بما يؤكل قبل الحادية عشرة صباحا، وليكن طعاماً صحياً متنوعاً بين البروتينات، كالبيض مثلاً وكأس حليب مصدراً للكالسيوم، ولا مانع من حبوب الذرة "كورن فليكس" للأطفال، وعلى الأم أن تحرص على ألا يكون به أي مصادر للنشويات، بحيث لا تقلق بخصوص ما يأكله في المدرسة، وتتمسك بأن تضع الكمية والنوعية التي تريدها مناسبة ولا يخرج للمدرسة إلا بعد أن يتناولها، وتشجعه بطرقها المختلفة، كأن تضع مقياساً طولياً للأطفال وأن تقول له "بعد أن تتناول أكلك سنرى كم كبرت"، وتضع علامة أعلى، فيقتنع بأن الطعام الصحي يفيده، أو مثلاً لتجعليه يضرب كف يدك بقبضته لتقيسي معه مدى قوته بعد هذا الطعام المفيد، وغير ذلك من الأفكار.
ليكن طعام العشاء من الخضروات واللحوم فقط من دون أي نشويات أو كاربوهيدرات أيضاً، وكوني حازمة في ذلك. وممنوع تناول الحلويات في المنزل، واكتفي بما يتناوله في المدرسة. أكثري من التفاح، تفاحة بشكل يومي وأمام عينيك للتأكد من أنه أكلها، وكذلك البصل مع الخضروات مهم جداً.
ولتجنب اضطرابات الشهية، يجب تحديد مواعيد ثابتة لتناول الطعام والالتزام بها، فهذا من شأنه أن يزيد شهية الطفل للطعام، كما يجنبه الشعور بالجوع خلال ساعات النهار واللجوء إلى الأطعمة المعلبة التي تحوي الكثير من المواد الحافظة. ويجب تقديم كميات مناسبة من الطعام للطفل، مع عدم إجباره على تناول الكثير من الطعام في الوجبة الواحدة، وإنما يفضل مثلاً تقسيم طعامه إلى خمس وجبات متكاملة ومتوازنة.
وللحصول على أقصى استفادة من الطعام، يجب تعليم الطفل مضغ الطعام جيداً، والإكثار من تناول الأطعمة الغنية بالألياف، مثل الحبوب الكاملة والبقوليات والخضروات والفواكه، والابتعاد عن المأكولات الدهنية والمقلية والدسمة ذات السعرات الحرارية العالية كالوجبات السريعة، والمشروبات الغازية التي تسبب اضطرابات المعدة والجهاز الهضمي.

ليست أمرا محبطاً
لكي لا تكون تغذية الأطفال أمراً محبطاً، علينا اتباع أساليب مختلفة لتجنب تعزيز الصراع بين الطفل والأم ومساعدة الطفل صعب الإرضاء في تناول الطعام بين أفراد عائلته على اتباع نظام غذائي متوازن، من خلال:
- احترم شهية الطفل أو فقدانه لها
إذا لم يكن الطفل جائعاً، فينبغي عدم إجباره على تناول الوجبات الرئيسية أو الخفيفة. وبالمثل، لا تقدمي رشوة للطفل ولا تجبريه على تناول طعام معين أو إنهاء كل ما في طبقه؛ فلن يؤدي ذلك إلا إلى إشعال النزاع حول الطعام أو زيادته فإن ذلك يمكن أن يقرن الطفل بعد ذلك وقت الوجبات بالقلق والإحباط، أو يصبح أقل حساسية تجاه علامات شعوره بالجوع أو الشبع، وبدلاً من ذلك يمكن تقديم حصص صغيرة لتجنب زيادة العبء على الطفل، أو إعطاؤه الفرصة لطلب المزيد بنفسه.
- الالتزام بالتوقيت
يجب تقديم الوجبات الرئيسة والوجبات الخفيفة في الأوقات نفسها كل يوم؛ فإذا اختار طفلك عدم تناول إحدى الوجبات الرئيسة، فإن وقت الوجبات الخفيفة المنتظم سيتيح لك الفرصة لإطعامه الطعام المغذي. كما يمكنك تقديم اللبن أو عصير الفواكه الطبيعي والطازج مع الطعام، مع عدم تقديم اللبن بين الوجبات الرئيسة والوجبات الخفيفة. ويجب عدم السماح للطفل بملء معدته بالعصير أو اللبن أو الوجبات الخفيفة طوال اليوم؛ فهذا يمكن أن يقلل من شهيته للوجبات الرئيسية.
"المطعم المدرسي يعود الأطفال احترام الممتلكات
الخاصة والعامة، ودربهم على التـعايش مع الآخرين" 
- التحلي بالصبر مع الأطعمة الجديدة
يقوم الأطفال الصغار غالباً بلمس أو شم الأطعمة الجديدة، حتى إنهم قد يضعون قدراً ضئيلاً منها في أفواههم ثم يخرجونها ثانية، وربما يحتاج الطفل إلى التعرض بشكل متكرر للطعام الجديد قبل أن يأخذ منه أول قضمة.
حث الطفل على التحدث عن الطعام من حيث الشكل والنكهة والقوام، وعدم سؤاله عما إذا كان مذاقه جيداً أم لا. كذلك، تقدم الأطعمة الجديدة إلى جانب الأطعمة المفضلة لدى الطفل. والاستمرار في تقديم الاختيارات الصحية له حتى يعتادها ويفضلها.
- ينبغي ألا تكون الأم طاهية للوجبات السريعة
يمكن أن يؤدي إعداد الوجبة المنفصلة للطفل بعد رفضه الوجبة الأصلية إلى تعزيز نمط الأكل الذي يصعب إرضاؤه. وينبغي تشجيع الطفل على الجلوس على الطاولة في وقت الوجبات المخصص، ولو كان لا يتناول الطعام.
- اجعلي الأمر ممتعاً
قطعي الطعام للعديد من الأشكال باستخدام قوالب التقطيع، وقدمي أطعمة الإفطار في العشاء. قدّمي مجموعة متنوعة من الأطعمة الملونة ذات الألوان الزاهية.
- وظِّفي مساعدة طفلك
اطلبي من طفلك عند محل البقالة أن يساعدك على اختيار الفواكه، والخضروات، والأغذية الصحية الأخرى. لا تشتري أي شيء لا تريدين أن يأكله الطفل. شجعيه في المنزل على المساعدة على شطف الخضروات أو تقليب العجين أو تجهيز طاولة الطعام.
"يـجـب أن يـستـيـقـظ الأبـنـاء مـبــكـراً حـتـى يـكـون
لـديـهـم وقـت للـقاء دافـئ على طـاولـة الإفـطـار"

- فلتكوني قدوة حسنة
إذا كنت تأكلين مجموعة متنوعة من الأطعمة الصحية، فمن الأرجح أن يحذو طفلك حذوك.
- كوني مبدعة
أضيفي قطعاً من البروكلي أو الفلفل الأخضر إلى صلصة المكرونة الإسباجيتي، أو ضعي على الحبوب شرائح من الفاكهة، أو اخلطي الكوسة المبشورة والجزر المبشور مع الطواجن والحساء.
"احرصي على أن يتناول طفلك البصل
مع الخضراوات وأطعميه تفاحة يومياً" 
- تقليل المشتتات
أغلقي التلفزيون وأي أجهزة إلكترونية أخرى في أثناء تناول الوجبات، فذلك سيساعد الطفل على التركيز على تناول طعامه، وتذكري أن الإعلانات المعروضة في التلفزيون قد تُشجع الطفل كذلك على الرغبة في الحصول على أغذية تحتوي على السكريات أو أطعمة ليست مغذية له.
- لا تقدمي الحلوى باعتبارها مكافأة
يبعث حجب الحلوى رسالة بأنها أفضل الطعام؛ ما قد يزيد شهية الطفل لها، ويمكنك أن تنتقي ليلة أو اثنتين في الأسبوع لتقديم الحلوى، وتجنبي تقديمها في بقية أيام الأسبوع، أو قدمي شكلاً جديداً للحلوى؛ مثل الفاكهة أو اللبن أو الاختيارات الصحية الأخرى.
"أكثري من الحبوب الكاملة والبقوليات والخضروات والفواكه،
وابـتـعـدي عـن الـوجـبـات الـسـريـعـة والـمـشـروبـات الـغـازيـة"

يجب استشارة طبيب الطفل إذا كنتِ قلقة من أن تهدد الانتقائية في أصناف الطعام نمو الطفل أو تطوره. فيمكن للطبيب أن يحدد مرحلة نمو الطفل على مخطط النمو. إضافة إلى ذلك، يمكنك تدوين أنواع الطعام وكمياته التي يأكلها الطفل كل ثلاثة أيام. فقد تساعد الصورة الأكثر شمولاً على التخفيف من دواعي قلقك، وقد يساعد استخدام جدول للأطعمة طبيب الطفل على تحديد المشكلات.
وعلى الأم أن تتذكر أن عادات أكل الطفل لن تتغير في يوم وليلة، ولكن الخطوات الصغيرة التي تُتخذ كل يوم يمكنها أن تساعد على التشجيع على اتباع عادات الأكل الصحية طيلة العمر.
وعليها أيضاً أن تتذكر دائماً أن عملها وكأنها رجل مباحث على تغذية الطفل لا يساعد فعلى حل المشكلات التي يعاني منها، لذا لا تكوني قلقة كثيراً، لأن إعداد وجبات إفطار مغذية ووجبات خفيفة والعشاء بعد المدرسة كلها كافية لتكون تغذية الأطفال جيدة، حتى لو كانوا يتناولون وجبة طعام صغيرة.