
هناك جوانب سلبية متعددة قد تكون مرتبطة باستخدام "لابوبو" أو التعلق بها من قِبل الأطفال من تأثيرات نفسية إلى مخاوف تعليمية وحتى آثار سلوكية، وهذا ما ستتناوله هذه السطور.
أصل "لا بوبو"
يرجع أصل ابتكار دمية لابوبو إلى الفنان الصيني المقيم في هولندا كاسينغ لونغ، مستوحياً إياها من الأساطير الإسكندنافية، وقدمها للمرة الأولى عام 2015 ضمن سلسلة كتب مصورة بعنوان "ثلاثية الوحوش"، وفي ذلك الوقت لم تحظَ لابوبو بأي شعبية تُذكر، ولم تكن تنبئ بالنجاح الساحق الذي ستحققه لاحقاً. وجاءت الانطلاقة الحقيقية لهذه الظاهرة عام 2019 عندما عقد لونغ شراكة إستراتيجية مع شركة "بوب مارت" الصينية التي تخصصت في تحويل لابوبو إلى دمية تباع داخل صناديق مفاجئة مصممة بعناية فائقة. وبفضل هذا الإقبال تضاعفت أرباح شركة "بوب مارت" الصينية المصنعة للدمية، وقفزت إيراداتها السنوية بنسبة 107%، لتصل إلى نحو 1.8 مليار دولار تمثل مبيعات لابوبو منها 23%، أي 419 مليون دولار.
ويُنظر إلى مظهر الدمية الغريب على أنه "قبيح" وأحياناً "مخيف" في سياق الدمى التقليدية، وتوصف الدمية بأنها تجمع بين عيون واسعة وأذنين مدببتين وابتسامة مليئة بأسنان حادة وملامح تمزج بين شكل القرد وتعبيرات البراءة، لتصبح إحدى أبرز الظواهر الاستهلاكية المثيرة للجدل في العصر الحديث. وهذا ما جعل الدمية مصدرًا لبعض السخرية أو التجاهل، لكن صانعها أكّد مراراً أن "لابوبو" ليست مصممة لتكون جميلة بالمعنى المتعارف عليه، بل كانت تجسيدًا لفكرة "الجمال في الغرابة"، أو ربما التعاطف مع الآخر الذي لا يتناسب مع القوالب النمطية. وتضمّ المجموعة عدّة دمى تتشارك الملامح نفسها بألوان وأسماء مختلفة على غرار: "زيمومو" و"موكوكو" و"تيكوكو" و"سبوكي" و"باتو"
التشويق والتسويق
اتبعت شركة بوب مارت نمطاً مختلفاً للتسويق للدمية من خلال بيعها في عبوات مغلقة؛ حيث لا يتمّ التعرّف إلى التصميم واسم الدمية إلّا بعد فتحها، وقد دفع عنصر التشويق والمفاجأة المشترين إلى التهافت للحصول على كامل المجموعة مهما يرتفع سعرها. وأدى إصدار تصاميم خاصّة من "لابوبو" بنسخ محدودة إلى سرعة نفادها من الأسواق، وارتفاع سرعها بأضعاف سعرها الحقيقي. وقد أعلن فرع الشركة في بريطانيا الوقف المؤقّت لبيع دُمى لابوبو في متاجرها بسبب الازدحام الكبير والطوابير التي شهدتها نقاط البيع في الفترة الأخيرة والاكتفاء بالبيع عبر الإنترنت. ونشرت صحيفة "ميرور" البريطانية أنّ بعض البريطانيين أخذوا إجازات من العمل حتى يتمكنوا من قضاء ساعات في الطوابير لاقتناء الدمية! وتدخلت قوات الأمن في سنغافورة، يوم افتتاح معرض Pop Toy Show بسبب حالة الفوضى والتدافع بين محبّي الدمية، وتمّ إلغاء البيع لعدّة أيام بسبب الإقبال الكبير الذي لم يكن متوقّعا.
المقتنيات المرعبة والغريبة تؤدي إلى اضطرابات نفسية وسلوكية لدى الطفل
آثار سلبية
هناك آثار سلبية لتلك الدمية في الأطفال؛ أولها التأثير في سلوكهم، فإن كانت الدمى تلعب دورًا مهمًا في تنمية المهارات الاجتماعية والعاطفية لدى الأطفال، فإن الأبحاث تؤكد أهمية استخدام الدمى ذات التعابير الواضحة في تعليم الأطفال مفاهيم الذكاء العاطفي، لكن هناك كثير من الانتقادات والجدل حول دمية لابوبو، منها:
- أن نظرات دمية لابوبو سلبية ومخيفة وعبوسها الذي لا يناسب نفسية الطفل الصغير، فقد تؤثر سلبًا في مزاجه وسلوكه، كما إن اعتياد الطفل حيازة المقتنيات المرعبة والغريبة، قد يؤدي إلى بعض الاضطرابات النفسية والسلوكية مستقبلاً لديه، مثل الميل إلى العنف، ونوبات الغضب، ومن ناحية أخرى فإن اعتياد الطفل المظاهر المرعبة أو الأشكال الغريبة ليس أمرًا جيدًا، فهذه الأشكال مثلها مثل الرسوم المتحركة قد تسبب كوابيس واضطرابات النوم الحادة، ويكون نومه متقطعًا أو يستيقظ مفزوعًا على سبيل المثال.
- تُعد سلسلة "لا بوبو" واحدة من السلع الاستهلاكية التي تحفز الأطفال على شراء المزيد والمزيد من الدمى بسبب تنوع الشخصيات والقصص المرتبطة بها؛ فكل دمية لها حكايتها الخاصة، وغالبًا ما يتم ربطها بمنتجات إضافية مثل الملابس أو الإكسسوارات أو حتى الكتب المصورة، وهذا التنوع يخلق لدى الطفل رغبة مستمرة في امتلاك جميع الدمى؛ ما يعزز عادة الاستهلاك المفرط منذ الصغر. ووفقًا لدراسة نُشرت في مجلة "السلوك الاستهلاكي للأطفال"، فإن التسويق المكثف لهذه الدمى عبر القنوات التلفزيونية، والإعلانات الرقمية يسهم في زيادة الضغط النفسي على الأطفال لشراء المنتجات، وفي الوقت نفسه يسبب ضغوطًا مالية لأولياء الأمور.
على الآباء اختيار اللعب التي تساعد على تطوير مهارات أطفالهم العقلية والاجتماعية

- تأتي دمية "لا بوبو" مُجهزة بقصة محددة ومحتوى ثابت لا يترك مجالًا كبيرًا لتعديل أو إعادة تشكيل القصة من قِبل الطفل. وهذا يقلل من فرص استخدام الدمى وسيلةً لتنمية الإبداع والخيال، وهي من المهارات الأساسية التي يجب أن تُنمى خلال مرحلة الطفولة. وعلى العكس من ذلك، فإن الدمى التقليدية أو أدوات اللعب غير المنظمة (مثل المكعبات أو الرمال) توفر حرية أكبر للأطفال لبناء عالمهم الخاص، بينما تحدّ الدمى الجاهزة ذات القصص الثابتة من هذه الحرية.
- يتم ترويج دمية "لا بوبو" بشكل واسع عبر الإنترنت، بما في ذلك على منصات التواصل الاجتماعي مثل يوتيوب، حيث يتم عرض مقاطع فيديو "فتح العلب" ومقاطع الرسوم المتحركة المرتبطة بالدمى.
وقد بيّنت العديد من الدراسات أن تعرُّض الأطفال لمثل هذه المواد بشكل متكرر قد يؤدي إلى تغيير في اهتماماتهم ورغباتهم الاستهلاكية، بل حتى في سلوكياتهم اليومية. إضافة إلى ذلك، فإن بعض مقاطع الفيديو قد تحتوي على محتوى غير مناسب أو قد تُستخدم وسيلةً لإدخال الأطفال إلى بيئات رقمية من دون إشراف كافٍ؛ ما يزيد من احتمال التعرض للمحتوى الضار أو الإعلانات المستهدفة.
الأرباح أولاً!
على حين تبدو دمية "لا بوبو" مجرد لعبة بسيطة، إلا أن تأثيرها في الأطفال قد يكون أعمق مما يبدو؛ فهي جزء من نظام تسويقي واقتصادي يستهدف جذبهم لتحقيق الأرباح. ورغم أن للدمى بعض الجوانب الإيجابية من حيث التصميم وجاذبية الشكل، فإن الجوانب السلبية تطغى عليها، بخاصة من حيث تأثيرها في الإدراك العاطفي، وتعزيز الاستهلاك المفرط، وتقييد الإبداع، لذلك، من المهم لأولياء الأمور والمربين أن يكونوا واعين لطبيعة الألعاب التي يتعرض لها أطفالهم، وأن يختاروا اللعب التي تساعد على تطوير مهاراتهم العقلية والاجتماعية، وليس فقط التي تستهويهم بصريًا أو تسويقيًا.
من الضروري أن يكون الأهل والمعلمون واعين بدرجة أكبر لطبيعة الألعاب التي يتعرض لها الأطفال، وأن لا يكتفوا بجاذبيتها المؤقتة أو ضجيجها الإعلامي. بل عليهم اختيار الألعاب التي تنمي المهارات العقلية والاجتماعية، وتشجع على التفكير والإبداع، وتُعلّم القيم وليس فقط المهارات التفاعلية؛
فإن "لا بوبو" ليست مجرد لعبة عابرة، بل تمثل مرآة لطريقة تعامل السوق مع الطفولة اليوم. ومن هنا، فإن الاختيار الواعي من قِبل الكبار هو المفتاح لحماية الطفولة وتطوير شخصية الطفل بشكل متوازن، بعيدًا عن الاستغلال التجاري والانحراف بالإدراك العاطفي.