إن الكتابة الأدبية التقليدية للأطفال من أصعب الكتابات الأدبية؛ لأنك تتوجه إلى قارئ خياله جامح ويحتاج في الوقت نفسه إلى الإقناع والمتعة والتسلية والبساطة في عرض المضمون!
ويعد أدب الطفل الرقمي هو المرحلة الثالثة في مراحل تطور أدب الطفل؛ حيث بدأ بالأدب الشفاهي ممثلاً في حكايات الجدات وأغانيهم والأساطير والملاحم وغيرها، ثم المدون بالكتابة مع اختراع الطباعة، وأخيراً الرقمي الذي أتاح عبر التقنيات الإليكترونية ووسائطها العديد من الإبداعات القصصية والشعرية والثقافية والألعاب بوصفها نصوصاً جديدة لطفل الألفية الثالثة من الميلاد.
كما أن أدب الطفل يشارك في إنتاج إبداعات أخرى مثل الألعاب، وألعاب الفيديو، والكمبيوتر، وبعض هذه الألعاب تنمي الذكاء وتفرغ عنصر التفاعلية وتنشط ملكة اتخاذ القرار لدى الطفل؛ ففي بعض هذه الألعاب يجد الطفل طريقه للشعور بنشوة الفوز عندما يحرز هدفاً في المرمى بلعبة كرة القدم، وآخر ينشط إحساس الشجاعة والإقدام لديه عندما يلعب مع شخصيات سوبرمان، وثالث يشعر بالفخر عندما ينجح في القبض على لص البنك في إحدى الألعاب ويقدمه للعدالة.
قد يرى الكثير من التربويين أن ألعاب الفيديو وألعاب الكمبيوتر مضيعة لوقت الطفل وتكسبه ثقافة العنف وسلوكيات أخرى مرفوضة، وبالضرورة فإنني أتفق معهم، لكننا لا نستطيع إيقاف عجلة الزمن ثابتةً في محطة بعينها؛ فالحياة في صيرورة دائمة ومن متغير إلى آخر، بل إن تقليب التربة ضرورية لغرس البذور فيها وإنباتها من جديد.
وأدب الأطفال من الفنون والوسائل التعليمية التربوية المتاحة للطفل في شتى الظروف؛ وذلك من خلال تقنياته المؤثرة وفنونه المتنوعة، فالفن القصصي مثلاً وسيلة مهمة في توجيه الطفل ونمو السلوك الإبداعي له؛ ذلك لما تزخر به من أساليب وأفكار. ومع التطور التكنولوجي والعولمة أخذ هذا الفن يعرض بحلة جديدة وبتقنيات متنوعة، فبعد أن كان كتاباً ورقياً أصبح مرئياً ومسموعاً وفناً من فنون الأدب الرقمي.
شمل أدب الطفل الرقمي كل الأشكال السٌردية والشٌعرية التي تستثمر الوسائل الإلكترونية كوسيط بين الطفل وأدبه، بغية بناء شخصيته وتعليمه، وتقديم التسلية التي يميل إليها، وكذا تنمية قدراته الإبداعية عن طريق ميزة التفاعل التي أصبحت ضرورة حتمية في تشكيل الأدب الرقمي في ظل انتشار وباء كورونا المستجد الذي شل كل الأنشطة الأدبية، وعصف بكل مناحي الحياة. وفي هذه المقالة حاولنا تقديم نظرة شاملة لأدب الطفل، وكذا الأدب الرقمي الموجه للطفل، بما في ذلك المفاهيم والميزات والخصائص. كما قدمنا وصفاً لواقع أدب الطفل الرقمي ودوره في ظل الإجراءات المفروضة والمصاحبة لتفشي الوباء كالغلق الشامل، ومدى تأثير كل تلك الظروف غير المسبوقة في النتاج الأدبي وفي الأطفال، بخاصة من الجانب التعلمي والترفيهي على حد سواء. وقد تطرقنا إلى دراسة سبل مواصلة تقديم المحتوى المناسب للأطفال والوسائل التكنولوجية والإسهام في ذلك على غرار التعليم الإلكتروني.
الحرص على التطوير والتحديث
رغم تأخر نشأة أدب الطفل العربي فإنه استطاع أن يبلور صورته ويحجز مكانة بين آداب الأطفال العالمية، ولكن تبقى هناك بعض العقبات التي تعطّل سيره وتشكّل عثرة في طريق تطوّره. هناك عقبات تتعلق أساساً بالوسيط الورقي كعقبة المحتوى وعقبة الوسيط "الكتاب" وعقبة الغاية، وبينما تشكل عقبة المد الرقمي في أدب الطفل المعاصر تحدياً حقيقياً وجب علينا استيعاب إمكانات هذا الوسيط أولاً؛ لنتمكن من تحجيم العقبات الناتجة عنه.
ولعل هدفنا في تناول هذه المقالة يتمثل أساساً في وقوفنا عند عقبة غياب النقد المتخصص في هذا الأدب، وهي التي تمثل أكبر عائق في سبيل قراءة الأعمال الإبداعية المنتجة فيه، فالنقد له دور مفصلي في أي شكل من أشكال الإبداع الإنساني، وأي تأخر فيه يؤدي بشكل مباشر إلى تعثر المسار الإبداعي. ولو أن نقد أدب الطفل العربي وقف مطولاً عند الأعمال الصادرة فيه ورقياً ما وجدنا الخلل ذاته مع الحامل الرقمي متعدد الإمكانات، وعليه سنخلص إلى جملة نتائج نحاول من خلالها تثمين الموضوع وخلق نوع من المقترحات من أجل دفعه وضمان حركيته.
إن أدب الأطفال إبداع جميل ضمن الأشكال الأدبية المتعارف عليها في أدب الكبار، غير أنه رغم سهولته ظاهرياً، فإن أديب الطفل يحمل مسؤولية كبيرة على عاتقه في إنتاج هذا الإبداع بما يتناسب وقدرات الطفل، وهذا ما يمكن وصفه بالسهل الممتنع.
شهد هذا الأدب تطوراً ملحوظاً على مر الزمان، تحكم في هذا التقدم الوسيط بالدرجة الأولى، بدءاً من الوسيط الشفهي، مروراً بالوسيط الكتابي، وصولاً إلى الوسيط الرقمي الذي أثمرته الثورة التكنولوجية، والذي أنتج لنا أدباً تفاعلياً هو وليد شرعي للتزاوج الحاصل بين الأدب والتكنولوجيا؛ إذ يمكن اعتباره نقلة نوعية في تاريخ هذا المجال كان لها تأثير جليّ في واقع الطفل وذهنيته .

كل ما يخص مقياس أدب الطفل، يتضمن مفاهيم الأدب الموجه للطفل وأهميته وتاريخه وخصائصه، وأهم قضاياه، ثم فنونه التعبيرية شعراً ونثراً، ودوره السمعي البصري في ترقيته. كما أن القصة والشريط المرسوم، وأدب الخيال العلمي، والرسوم المتحركة، والانتقال فيه من الورقي إلى التفاعلي، والإلكتروني، تكون خاتمتها حول أدب الطفل العربي ودراسة واقعه واستشراف آفاقه؛ بطريقة تتلاءم ومستوى الأطفال وطبيعتهم، في إطار معرفي أكاديمي بأسلوب بسيط، والإحالة على بعض المراجع للتوسع والمطالعة، للتحكم في محتوى هذه المادة المعرفية، بما يمكن امتلاكه من كفايات قاعدية حول (أدب الأطفال) الأمر الذي يؤهلهم لأن يتكيفوا بكل فعالية مع الأهداف الخاصة بالطفل.
وللحرص الدائم على التطوير والتحديث؛ جعل المسؤولون والمهتمون بالطفل الاهتمام بتشكيل وعيه وفقاً لمعطيات عصر التقنية والتكنولوجية الرقمية؛ فالثقافة الرقمية أصبحت تشكل مفردات حياتنا اليومية في التعليم والوظائف، وحتى المولات التجارية بل في محلات البقالة؛ حيث أثبتت الدراسة العملية أن المخرجات الرقمية لفنون أدب الطفل تساعد على بناء شخصيته، وتأهيله للتعلم والقدرة المستقبلية على الالتحاق بسوق العمل. ولقد فتح الأدب الرقمي نافذة جديدة للمبدعين في مجال مخاطبة الطفل وفقاً لأساليب عصرهم وتقنياته؛ ما جعل الأدب الورقي يتحول عبر وسائط تعبيرية متنوعة كالصوت والصورة والحركة إلى أدب رقمي.
تنمية الذكاء اللغوي لدى الناشئة
مع ظهور الأدب الرقمي للأطفال، فإن الكُتاب يواجهون تحديات شديدة في كتابة نصوص جديدة، حيث تسيطر ثقافة الصور على الأدب الرقمي، ومع أهميتها في هذا النص وتأثيرها في إقناع الأطفال بالمحتوى الأدبي ورسالته التربوية أو الثقافية او التعليمية، فإنها تضع مهام كبيرة من حيث ضرورة التزود بالثقافة البصرية والعديد من العلوم والمعارف الخاصة بالبيئة والطبيعة إلى جانب الخيال.
وبالطبع يحتاج الكاتب المتخصص في أدب الطفل إلى الاطلاع على التقنيات الحديثة والتواصل مع المحترفين في هذا المجال؛ لترجمة نصوصه الأدبية إلى أعمال مرئية وإلكترونية وهذه الأدوات المستخدمة للتنفيذ، ومن الطبيعي أن هذه العملية مكلفة. والسؤال المطروح: من الذي سيتحمل نفقات العمل لتحويل أدب الطفل العربي من تقليدي إلى معاصر تماشياً مع الزمن وسرعة التطور واللحاق بركب الأجيال الناشئة الجديدة وتطلعاتها؟
ولأنه من الصعب جداً إقناع طفل اليوم بأن يبقى مدة أطول لقراءة الكتب والنصوص؛ فإن الأيام المقبلة ستكون صعبة جداً، لذا أصبح من الضروري على الكاتب العربي تطوير أدواته وضرورة الإلمام بأسرار الكمبيوتر ولغة البرمجة، وإتقان لغتها، ومعرفة فن الجرافيك والإخراج السينمائي، ومعرفة فن الكتابة بالصورة المتحركة والثابتة، وطرق استخدام مؤثرات بصرية وسمعية مختلفة، باستخدام برنامج الـ "فلاش ماكرو ميديا" وكذلك طرق الاستعانة بمقاطع من أفلام سينمائية.
إن الكتابة الرقمية للأطفال تتطلب الإلمام بفنون الكتابة السردية، وسيناريو السينما وكتابة المشاهد المسرحية وأسرار الكتابة الشعرية من موسيقى وصور فنية وأوزان وغيرها، بحيث يبدو وكأنه يؤدي وظائف عديدة من حيث التأليف التصوير والإخراج لفيلم سينمائي.
وقد يقوم المبرمجون بهذه الوظائف والمهام التقنية، لكن الكاتب ينبغي أن يكون متابعاً لإنجاز هذه المهام التقنية عن فهم ورؤية فنية. وللصورة خطورتها على الأطفال، بخاصة إذا كانت تتضمن سلبيات معينة، وهو ما يتطلب من الكاتب مراعاة الفئة العمرية المستهدفة من نصه الرقمي. كما يواجه المؤلف الرقمي أيضاً تحديات أخرى مثل السرقات الفكرية، وهو ما يهدر من جهده الأدبي ويسلبه حق الملكية الفكرية.
إن مخاوفنا الأخلاقية والدينية على الأطفال وهم يتعاطون تكنولوجيا عصرهم لها ما يبررها، ويجب علينا المواجهة والتحدي، وأن نعمل بجدية لملء الفراغ، وأيضاً لنستبدل بالمنتج الغربي الرديء منتجاً محلياً يتناسب مع طبيعة مجتمعنا وثقافتنا ومبادئنا، لكننا لا بد من أن نتسلح بالعلم الواقي من الأشواك.. فعلينا مواكبة العصر وتطوير الأدب الرقمي الموجه إلى الأطفال في عالمنا العربي، بدلاً من أن يتلقاه الطفل من منظومات ثقافية أخرى بعيدة عن قيمنا الأخلاقية والروحية.
يمكن توظيف الأدب الرقمي في تنمية الذكاء اللغوي لدى الناشئة من خلال استخدام الأغاني والأناشيد المحببة للأطفال، وكذلك توظيف الشعر وما يحتويه من إيقاعات موسيقية وموسيقى الوزن والقافية في تنمية تذوقه الموسيقي واكتساب مهارات اللغة، وغرس حب الأوطان والانتماء إليها، وفي التعاون والصداقة والحب عبر الأغاني الرقمية.
ويبقى نجاح الأدب الرقمي للطفل ودوره في تربية الطفل رقمياً مرهوناً بقدرة الكاتب ومهارته في استخدام التكنولوجيا، وتحديد الفئات المستهدفة بدقة، والضمير الذي يتمتع به الكاتب في توصيل رسالته إلى الأطفال، لأنها لو كانت رسالة شريرة فإن تأثيرها في الطفل يصبح كالصاروخ القاتل، لأن النص الإلكتروني أكثر انتشاراً ويصعب السيطرة عليه. ومع أهمية الأدب الرقمي ارتباطاً بلغة العصر التكنولوجية، فإن الأدب المنشور ورقياً يظل له حضوره وبقاؤه فهو يوفر لقرائه متعة مشاركة الأديب في التخيل.
إن "فنون أدب الطفل الرقمي" من أهم الأشكال التكنولوجية التعليمية الرقمية الجذابة؛ حيث يتم استثمار "أدب الطفل" بوصفه فرعاً من فروع الأدب العام بشكل رقمي، وتكمن أهمية استثمار فنون أدب الطفل الرقمي داخل الصف الدراسي أو خارجه، بدءاً من المرحلة المبكرة؛ بما يحقق محو الأمية الرقمية، وتنمية مهارات القرن الحادي والعشرين للطفل العربي بالمنهج الوصفي التحليلي. كما أن المعطيات الرقمية لفنون أدب الطفل تساعد على بناء شخصية الطفل العربي؛ استعداداً للتغييرات الديناميكية في أنواع الوظائف بسوق العمل مستقبلا؛ ما يجعل التعلم مستمراً مدى الحياة.