يواجه الباحثُون اليوم بعض الصُّعوبات في قياس استخدام الأفراد للإنترنت كمُؤشِّر على مدى تحوُّلهم إلى الإدمان، بسبب تغلغُل الكمبيُوتر في حياة الأفراد كجُزءٍ من عملهم، لكن الباحثين بالرَّغم من ذلك يؤكِّدُون أنَّ كُلّ فرد بإمكانه أن يُدرك إذا ما كان استخدامُه للشَّبكة، أو أجهزة الكمبيُوتر يتماشى مع المُعدَّلات الطَّبيعيَّة أم أنَّه يتجاوز ذلك إلى درجة الإدمان، وذلك بإحساس الفرد بمدى إهماله لشُؤُون حياته اليوميَّة والاجتماعيَّة وعمله، مُقارنةً بالمُعدَّلات الَّتي تسبق استخدامُه للإنترنت.
أعراض الإدمان
هُناك العديد من الأبحاث قدَّمت بعضًا من المعايير الَّتي يستطيع من خلالها الشَّخص تشخيص حالته من دون حاجة إلى طبيب، أو استشارة خبير. والأمر هُنا لا يُقاس بعدد السَّاعات الَّتي يقضيها الشَّخص أمام الإنترنت، فقد يقضي شخص ما خمس ساعات يوميًا ولا يُسمَّى هذا إدمانًا، خُصُوصًا مع مَنْ يستخدمُون الإنترنت لأغراض العمل والبحث؛ لذا فإنَّ عدد ساعات التَّصفُّح ليست وحدها مقياسًا، وإنَّما هُناك أسئلة أُخرى يجب أنْ يُجيب عنها الشَّخص لكي يعرُف هل هُو مُدْمِن أم لا؟
وهذه نماذج للأسئلة الَّتي يجب أنْ يطرحُها الشَّخص على نفسُه، وضعتها الطَّبيبة وعَالِمة النَّفس الأمريكيَّة كيمبرلي يونغKimberly Young، الَّتي تُعدُّ أوَّل أطباء علم النَّفس الَّذين عكفُوا على دراسة ظاهرة إدمان الإنترنت في الولايات المُتَّحدة الأمريكيَّة، بعُنوان: "استجواب ثمانية أسئلة"، والتي إن أجبت عن خمسة منها أو أكثر بـ "نعم"، فإن هذا يعني أنك مُدمن إنترنت، وجاءت الأسئلة جاءت كالآتي:
- هل أنت "مُنغمس"، أيّ مشغُول الذِّهن بما تفعلُهُ على الإنترنت قبل وبعد تركه؟
- هل ترى أنَّك تحتاج إلى عدد ساعات أكثر على الإنترنت للوُصُول إلى درجة الإشباع؟
- هل حاولت مرارًا أن تُقلِّل من عدد السَّاعات لكنَّك فشلت؟
- هل تشعر بالقلق والاكتئاب وعدم الرَّاحة أو تغيُّر المِزاج عندما تُحاول أنْ تبتعد أو تُقلِّل من استخدامك للإنترنت؟
- هل تقضي في تصفح الإنترنت وقتًا أطول ممَّا كنت قد حدَّدته لنفسُك؟
- هل تعرَّضت علاقاتُك الأُسريَّة والاجتماعيَّة كما تعرَّض أداؤُك في العمل للتدهُّور بسبب الإنترنت؟
- هل كذبت على عائلتك أو مُعالجك (طبيبك) لكي تُخفي مدى تورُّطك في استخدام الإنترنت؟
- هل تستخدم الإنترنت وسيلةً للهُرُوب من تغيُّر المِزاج أو مشاكلُك النَّفسيَّة، مثل الاكتئاب أو القلق؟

أسباب ودوافع
هناك بعض الأسباب الرَّئيسة التي تجعل من الإنترنت سببًا في الإدمان، نوجزها فيما يأتي:
- السِّريَّة: لأنَّ الإمكانات الَّتي يُوفِّرها الإنترنت في الحُصُول على المعلُومات والمعارف، وطرح الأسئلة، والتعرُّف إلى الأشخاص من دون الحاجة إلى أن يقُوم المُستخدم بتعريف نفسُهُ بكُلِّ التَّفاصيل الحقيقيَّة، تُوفِّر شُعُورًا لطيفًا بالسَّيطرة على الموقف، إلى جانب ذلك فإنَّ القُدرة على الظُّهور كُلّ يوم بشكلٍ آخر مُختلف حسب اختيارنا تُعد تحقيقًا لحُلمٍ جامحٍ بالنِّسبة إلى كثيرٍ من النَّاس.
- الرَّاحة: فالإنترنت وسيلة مُريحة جدًّا ولا تتطلَّب الخُرُوج من البيت أو السَّفر أو استعمال المُسوِّغات من أجل استعماله، ويُوفِّر هذا التَّيسير حُضُورًا عاليًا وسُهولةً فيما يتعلَّق بتحميل المعلُومات التي لم نكن نقدر على تحصيلها من دُون الإنترنت، ولن ننسى أنَّ الأجهزة الذَّكيَّة وفَّرت الرَّاحة التَّامة للاتصال في كُلِّ وقت.
- الهُرُوب: مثل الكتاب الجيِّد، أو الفيلم المُثير؛ فإنَّ الإنترنت يُوفِّر الهُرُوب من الواقع الحقيقي إلى واقع بديل أو افتراضي، ومن الممكن للإنسان الذي يفتقر إلى الثَّقة بالنَّفس أنْ يصير شخصيَّة جذَّابة بلا حُدود، ويجد الإنسان الانطوائي لنفسه أصدقاء أو صديقات. ويستطيع كُلُّ إنسان أنْ يتبنى لنفسه هُوِيَّة مُختلفة كما يشاء، وأنْ يحصل من خلالها على كُلِّ ما ينقُصه في الواقع الحقيقي.
- الحُرِّيَّة والانعتاق: فغُرف الدَّردشة الموجُودة على صفحات الإنترنت أسهمت في تخلُّص الأبناء من القُيُود المُجتمعيَّة الصَّارمة، ووفَّرت لهُم إطلاق رغباتهم المكبُوتة والدَّفينة، فعادات وتقاليد المُجتمع تفرض طوقًا قويًّا على تصرُّفات الأبناء، فيأتي الإنترنت ليسُد هذا الفراغ بتقديمه إغراءً لا يُقاوَم وذلك بالتَّخلُّص من تلك القُيُود.
- تأكيد الذَّات: كما أنَّ مُعاناة الأبناء من الفراغ الرُّوحي، والاكتئاب، والشُعُور بعدم الأهميَّة والقيمة كُلَّها عوامل تدفعُهُم إلى الإدمان الشَّبكي.
- التَّنوُّع: من الأسباب التي تدفع إلى الإدمان على صفحات الإنترنت تنوُّع الخيارات، وعدم وُضُوح الهدف أو الغاية من الدُّخُول للشَّبكة، إلَّا أنَّ المُتصفِّحين أنفسُهُم ينجرّون من موقعٍ إلى آخر، فقد يُفاجؤون بظُهور إعلان ما، ثُمَّ يُفتح المُنتدى للحوار، وهكذا يجدُون أنفسُهُم في حالةٍ من الانجرار اللَّاشُعُوري.

علاج وتحصين
افتتحت عَالِمة النَّفس الأمريكيَّة كيمبرلي يونغ، في "بريدفورد" Bridford مركزًا علاجيًّا عَبْر الإنترنت، يُمكن من خلاله للأشخاص المُدمنين استشارتها بواسطة البريد الإلكتروني، أو الهاتف، أو من خلال مواقع التَّحاور. تقول يونغ: إنَّ عيادتنا الافتراضيَّة تتيح للأفراد والعائلات الحُصُول على مُساعدة المُتخصِّصين أيًّا كان مكان إقامتهم، موضِّحة أنَّ20 ٪ من مرضاها من خارج الولايات المُتَّحدة الأمريكيَّة.
كما تُعد مواطنتها الطَّبيبة "ماريسا أورتساك" Marissa Ortsak أوَّل من افتتح عيادة لعلاج إدمان الإنترنت في مُستشفى "ماكلين" McLean التَّابع لجامعة "هارفارد" Harvard university. وقد بدأ الأمر عندما اكتشفت ماريسا أنَّها أصبحت مُدمنة على جهاز الكمبيوتر سيما على إحدى الألعاب الإلكتُرونيَّة، وعندئذ فكَّرت في معرفة ما إذا كان هُناك مَنْ يُشاركُها مُشكلتها. ومنذ ذلك الحين أصبحت من رُوَّاد هذا المجال، وعالجت المئات من المرضى.
وتُحاول ماريسا أن تُحدِّد مع المريض سبب انجذابه إلى الإنترنت. وهي تُؤكِّد أننا لا نستطيع أنْ نتعامل مع مُدمني الإنترنت، كما نتعامل مع مُدمني التَّبغ أو الخمر، لأنَّ الامتناع غير مُمكن، في عالمٍ تهيمن عليه أجهزة الكمبيُوتر. كما تُؤكِّد أيضًا أنَّ ما بين5 % و 7% من مُستخدمي الإنترنت يمكن أن يُصابُوا بالإدمان.
وحسب رأي كيمبرلي يونغ، فإنَّ هُناك عِدَّة طُرُق لعلاج إدمان الإنترنت، تتركَّز في الآتي:
- عمل العكس: فإذا اعتاد المريض استخدام الإنترنت طيلة أيَّام الأُسبُوع نطلُبُ منهُ الانتظار حتَّى يستخدمُهُ في يوم الإجازة الأسبوعيَّة. وإذا كان يقُوم بفتح بريده الإلكتُروني عندما يستيقظ من النَّوم مباشرةً، نطلُب منه أنْ ينتظر حتَّى يتناول طعام إفطاره ويُشاهد أخبار الصَّباح. وإذا كان يستخدم الكمبيُوتر في حجرة النَّوم نطلُب منه أنْ يضعُهُ في حجرة المعيشة.. وهكذا.
- إيجاد موانع خارجيَّة: نطلُبُ من المريض الَّذي ينوي الدُّخُول إلى الإنترنت لمُدَّة سَّاعة واحدة قبل خُرُوجه إلى العمل ضبط منبه، ليُذكِّره بانتهاء السَّاعة المُقرَّرة؛ حتَّى لا يندمج في تصفُّح الإنترنت بحيث ينسى موعد عمله.
- تحديد وقت الاستخدام: نطلُبُ من المريض تقليل وتنظيم ساعات استخدامه للإنترنت، بحيث إذا كانيستخدم الإنترنت لمدة 40 ساعة أُسبُوعيًّا - على سبيل المثال - نطلُبُ منه تقليل المُدَّة إلى 20 ساعة في الأُسبُوع، وتنظيم تلك الساعات بتوزيعها على أيَّام الأُسبُوع في ساعاتٍ مُحدَّدةٍ من اليوم، بحيث لا يتعدَّى الجدول المُحدَّد.
- الامتناع التام: من المُمكن أنْ يكون إدمان الإنترنت مُتعلِّقًا بمجالٍ مُحدَّدٍ من مجالات استخدامه، فإذا كان الشَّخص مُدمنًا لغُرف الدَّردشة (الشَّات) نطلُبُ منهُ الامتناع عن تلك الوسيلة امتناعًا تامًّا، في حين نترُك له الحُرِّيَّة في استخدام أو تصفُّح الوسائل الأُخرى الموجُودة على الإنترنت.
- إعداد بطاقات من أجل التذكير: نطلُبُ من المريض إعداد بطاقات يكتُبُ عليها خمسًا من أهم المُشكلات النَّاجمة عن إسرافه في استخدام الإنترنت، كإهماله لأُسرته، و تقصيره في أداء عمله.. ويكتب أيضًا خمسًا من الفوائد الَّتي ستنتج عن إقلاعه عن تصفُّح الإنترنت بصورةٍ مُبالغ فيها، كإصلاحه لمُشكلاته الأُسريَّة، وزيادة اهتمامه بعمله، على أن يضع المريض تلك البطاقات في جيبه، أو في حقيبته حيثُما يذهب، بحيث إذا وجد نفسه مُندمجًا في استخدام الإنترنت بدرجةٍ كبيرةٍ يُخرج البطاقات ليُذكِّر نفسُه بالمُشكلات النَّاجمة عن ذلك الاندماج.
- إعادة توزيع الوقت: نطلُبُ من المريض أنْ يُفكِّر في الأنشطة التي كان يقُوم بها قبل إدمانه للإنترنت ليعرف ماذا خسر بإدمانه، كقضاء الوقت بالنادي مع الأُسرة، والقيام بزياراتٍ اجتماعيَّةٍ.. وهكذا. ثُمَّ نطلُبُ منه أن يُعاود مُمارسة تلك الأنشطة لعلَّه يتذكَّر طعم الحياة الحقَّة وحلاوتها.
- الانضمام إلى مجموعات التَّأييد: نطلُبُ من المريض زيادة رُقعة حياته الاجتماعيَّة الجميلة بالانضمام إلى فريق الكُرة بالنَّادي، أو إلى درس لتعليم الخيَّاطة، أو الذَّهاب إلى عرض مُوسيقي يشترك فيه، ليكون حوله مجموعة من الأصدقاء الحقيقيَّين لا الوهميَّين.
- المُعالجة الأسريَّة: في بعض الأحيان تحتاج الأُسرة بأكملها إلى تلقَّي علاج أُسري بسبب المشاكل التي يُسبِّبها الإنترنت، بحيث يُساعد الطبيب الأُسرة على استعادة النِّقاش والحوار فيما بينها، وحتَّى تقتنع الأُسرة بمدى أهميَّتها في إعانة المريض على الإقلاع عن إدمانه.
- الأجهزة الذكيَّة وفَّرت الرَّاحة التامة للاتصال في كُلِّ وقت
- قضاء الوقت مع الأسرة وممارسة الرياضة علاج لإدمان الإنترنت
